Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

البطريرك الراعي في كتاب فرنسي:  اسم حزب الله يزعجني، المقاتلون السنة سبقوه الى سورية. الحرب السورية مبرمجة

10845
news room October 22,2020

 سامي كليب : 


البطريرك اللبناني الماروني السابع والسبعون مار بشارة بطرس الراعي، طرح فكرة "الحياد الناشط" قبل فترة فحرّك بقوة المياه السياسية الراكدة في لبنان. ورغم ان طرحه هذا قسم اللبنانيين بين مؤيد ومعارض واثار عند البعض شبهات حول احتمال ارتباطه بأجواء صفقة القرن والتطبيع العربي مع اسرائيل، الا أنه يُحسب للبطريرك طرحه لمشروع سياسي في لحظة غياب المشاريع وانزلاق الطبقة السياسية اللبنانية منذ سنوات طويلة الى أتون المحاصصة الطائفية والمذهبية والمصلحية، بحيث تغيب المشاريع والأفكار مقابل حضور الصفقات حتى ولو تعلق الأمر برفع النفايات من الشوارع. فالشعب بمجمله كفر بالمافيات السياسية-المالية رغم اضطرار بعضه للاستمرار بالتبعية، ويريد التعلق بأي أمل يخرجه من انهياره الاقتصادي والمالي والاجتماعي.  
 
حاول كثيرون البحث عن أسباب هذه " القنبلة السياسية" التي طرحها الراعي وهل هي للمساهمة بتطويق حزب الله ، فصار رجل الدين المسيحي الأول في لبنان مثار جدل بين مؤيد وشاجب ومتهم، لذلك قد تكون العودة الى حقيقة تفكيره الذي عرضه قبل خمس سنوات في كتاب مهمة جداد بعنوان "Au Coeur du chaos"  ( في قلب الفوضى، مقاومة مسيحي في الشرق)، مادة دسمة لمعرفة تاريخ البطريرك ونظرته الى حزب الله وسورية و دور مسيحيي الشرق وجرأته في التعبير عن مواقف استثنائية تتعلق بالربيع العربي والثورات والاصولية واخطاء الغرب ونشأة لبنان.
 
في رده أول حول مشاركة حزب الله في الحرب السورية يقول الراعي:
 
إذا كان عناصر حزب الله قد دخلوا مسلحين الى سورية، فان اللبنانيين السنة دخلوها سياسيا عبر تصريحاتهم غير المناسبة التي أججت الحرب. الطرفان تدخّلا في هذه الحرب وهما بالتالي مذنبان. لا بل قبل انخراط حزب الله، فان عددا من المقاتلين الإسلاميين اللبنانيين ذهبوا من طرابلس (شمال لبنان) للقتال في سوريا.
ان الدول الغربية وبعد ٥ سنوات من الحرب على سورية بدأت بالكاد تفهم ان الامر لا يتعلق بحرب أهلية بين معارضة (منقسمة) ونظام. صحيح ان الرئيس بشار الأسد ليس بريئا، لكن مهما كان نظام البعث السوري قاسيا، وانا كلبناني استطيع ان احدثكم لساعات عن ذلك، فإننا نشهد طيلة سنوات الحرب هذه  التجاهل والتعامي والتواطؤ من قبل دول غربية، ونشاهد التدمير الممنهج لسورية التي باتت مسرحا لتضارب مصالح الطاقة والتجارة والجيوبولتيك والتي ليست لها أي علاقة بالإصلاحات الديمقراطية.
 
 
·     هل ننتظر تقاسم نفوذ في المنطقة؟
 
الراعي: ان ما يجري حاليا هو تفكيك محور إيران-حزب الله. هذا المحور يُزعج السعوديين والاسرائيليين اللذين، وهو ما يندر قوله، يقصفون سوريا ويساعدون القاعدة في سورية على المستوى اللوجستي، بحيث تتم معالجة جرحى " النُصرة" في المستشفيات الإسرائيلية. ان هذه الحرب مقصودة ومبرمجة من خلال استراتيجية قريبة من السُنَّة لكسر محور إيران وحزب الله الشيعي في لبنان. والرهان الحالي هو صراع بين إيران الشيعية الدولة القومية الفارسية، والسعودية السنية حيث الوهّابية هي دين الدولة والتي تعمل منذ فترة وعلى نحو مثير للعجب على التقارب مع حركة الاخوان المسلمين.
ان إيران التي تملك أكبر احتياط للغاز والبترول العالي الجودة، تبحث عن الحفاظ على محورها الجيوستراتيجي عبر سورية ولبنان والبحر الأبيض المتوسط، وهو الأمر نفسه بالنسبة لمنافستها الكبرى في المنطقة أي السعودية المدعومة من قطر. فهاتان الدولتان تريدان كسر الحلقة التي يمثلها النظام السوري العلوي وذلك من خلال السنة في سوريا ولبنان، أي طريق عبور الوهابيين للوصول الى البحر المتوسط.
ان ما نقوله لكل المؤسسات السياسية الدولية، هو ضرورة اقتراح استراتيجية سياسية للخروج من الحرب وعودة اللاجئين الى بلادهم. الا ترون ماذا يُمكن ان يحدث لو سقط الأسد؟ سننتقل من كارثة الى كارثة أخطر، ذلك ان " النُصرة" أي " داعش" ستتولى السلطة، وتتوالى الكوارث. لذلك فاذا كنتم تحبون لبنان، أنقذوه.
 
 
 
 
 
 
·     كيف يمكن لحزب الله ان يصف نفسه بحزب الله، ولماذا يعتبره الاميركيون منظمة إرهابية؟
·     الراعي: انا احترم حزب الله لكن هذه التسمية تزعجني. لماذا تسييس الله؟ لماذا القول ان الله هو جزء من حزب او ان حزبا انبثق عن الله؟ والشخصيات المرموقة بينهم تسمي نفسها " آيات الله". ان كل أصولية هي ضد الدين الذي حين يتم تسييسه الى هذه الدرجة لا تكون له علاقة بالله. ان حزب الله هو منظمة سياسية ولدت كردة فعل على الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان في العام ١٩٨٢. ولو ان الاميركيين الذين كانوا في وقت ما قريبين من النظام السوري، فرضوا على قوات الاحتلال الإسرائيلية احترام القرار ٥٢٠ للأمم المتحدة عند الحدود، فان حزب الله الذي يتحمل هو ايضا جزءا من مسؤولية هشاشة الوضع اللبناني، لم يكن له مبرر وجود لو لم يكن لديه ما يدافع عنه.
نحن نعارض امتلاك حزب الله ترسانة سلاح موازية ومستقلة عن الدولة، فاستخدام القوة يجب ان يكون فقط من صلاحيات الدولة وتحديدا الجيش وقوى الامن الداخلي. لكن لا يمكن اعتبار الحزب منظمة إرهابية، وهذا ما شرحته بوضوح للسفير الأميركي لان حزب الله هو حزب سياسي رسمي ممثل ب ١٤ نائبا في البرلمان. ويبدو ان السفير صُدم، فتم الغاء لقائي مع الرئيس باراك أوباما على هامش قمة الدفاع عن المسيحيين في واشنطن.

( تجدر الملاحظة ان عبارة حزب الله وردت في القرآن الكريم كالاتي: وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) 
 
 
الحفاظ على إسرائيل من المخاطر المحيطة بها، يفترض إذا استراتيجية مناهضة لوحدة العالم العربي؟
الراعي: انها استراتيجية الاضعاف والافقار لان الكثير من ثروات الدول تُستخدم لصناعة الحرب ولكسر القوة العسكرية لهذه الدول (العربية) كما كان حال الجيش السني السابق لصدام حسين، وتفكيك ليبيا، واغراق سورية بحرب دون افق ولا إرادة سياسية لحل الصراع بين مختلف الافرقاء وهو ما اشجبه.  هناك مشاركة عمياء من قبل أوروبا. يتم فرض الكذب. وعليكم أنتم الفرنسيون ان تبتعدوا عن سياسة الهيمنة الاستراتيجية ذات الابعاد الاقتصادية. أنتم في الشرق الأوسط منذ القرون الوسطى، وفرنسا هي الصديق الأصيل لموارنة لبنان الذين يرون فيها صورة الفروسية والنبل. اما الاميركيون الذين يقودون العالم، فانهم لا يفهمون العالم العربي الا من خلال مصالحهم وارتباطاتهم بممالك النفط.
 
 
 
ماذا عن الربيع العربي وخطر داعش والنصر وغيرها؟
 
الراعي: نحن حيينا التظاهرات الشعبية في تونس ومصر وسورية ولكن ما الذي حصل فجأة؟ اختفت هذه التظاهرات الشعبية لصالح الحركات الأصولية التي تصدّرت الواجهة، واندلعت الحرب الأهلية. لذلك، فمن جهة بدا الربيع العربي كثورة فعلية ضد الأنظمة التوتاليتارية من قبل مجموعات كانت مُهمّشة نجحت في تظهير نوع من التعددية بوجه ديمقراطي وفي العمل بفعالية لأجل مواطنة عادلة تحترم الحريات. ولكن من جهة ثانية وعلى نحو أكثر قتامة، فان انهيار الأنظمة التوتاليتارية أفسح في المجال امام سلطة التطرف الإسلامي عبر صعود تنظيمات جهادية بذريعة تبني الديمقراطية والإصلاحات السياسية. اما في حقيقة الأمر، فقد عمّت الفوضى والخراب والعنف والإرهاب والحرب. برافو للمجتمع المصري الذي قال لا لقيام مجتمع إسلامي، فالربيع العربي مختلف عن هذه الاستيلاء الموصوف على ما حصل في تونس، ونحن نشاهد الأمر نفسه في سورية، فاذا كانت وسائل الاعلام تبث الأكاذيب، فهذا لا يعني انه يمكن إخفاء الحقيقة، وانا أتوجه الى كل العاملين في الظل والذين يثيرون الإرهاب الجماعي عبر دعم مجموعات متطرفة لزيادة زعزعة العالم العربي، واغراقه بقومية اسلاموية تشوه امل الشعوب.
 
البطرك الراعي انتقد بشدة غياب او ضعف حرية ممارسة الايمان المسيحي في الكثير من الدول العربية وإسرائيل وقال :" في إسرائيل، دولة القانون الديمقراطي الذي من المفترض أن يضمن المساواة بين الأديان امام القانون، فان اليهودية هي المسيطرة، وفيما يتمتع الطفل الإسرائيلي بالتعليم الممول ١٠٠ بالمئة من الدولة، ثمة تضييق يتفاقم بصورة كبيرة على ٤٧  مدرسة مسيحية تضم ٣٢ الف تلميذ مسيحي ومسلم، وان ما يجرح أكثر مشاعر المسيحيين ويقلقهم هناك، هو تنامي الأصولية عند المتطرفين اليهود الرافضين للوجود المسيحي على الأرض المقدسة"
 
ويضيف البطريرك:" في السعودية، يبني الملوك سلطتهم على مبادئ الدين الوهابي الذي عاش في القرن الثامن عشر، والقرآن والسنة والشريعة هم الدستور. وممارسة أي ديانة أخرى هي غير شرعية. والمرتد يتعرض للموت. والمسلمة لا تستطيع الزواج من غير المسلم، ناهيك عن العقوبات بالسجن ضد من لا يحترم رمضان. وكل المظاهر الدينية العامة الأخرى ممنوعة ويعاقب عليها بالموت، وهناك مليونا عامل مسيحي لا يتمتعون في السعودية بأي مكان للعبادة. وكذلك في سورية المجتمع المسلم حين لا دين للدولة، يجب ان يكون الرئيس مسلما، والتشريع الإسلامي هو المصدر الأساس للقانون في البلد الذ يقول انه علماني. ..."
 
الكتاب غني بالمواقف والأفكار المثيرة للنقاش من رأيه حول نشأة لبنان الكبير والعلاقة بين المسلمين والمسيحيين الى حروب القرن الحالية، وقد عاشت الصحافية الفرنسية المعروفة ايزابيل ديلمان المتخصصة بالمقابلات السياسية الكبرى، فترة غير قصيرة مع البطريرك ومحيطه لكي تجري هذه الحوارات الغنية التي ينبغي على كل مهتم بالسياسة اللبنانية قراءتها لفهم حقيقة تفكير هذا الصرح المسيحي العريق وذي التأثير الكبير في السياسة اللبنانية. ولعل نقل الكتاب الصادر عن دار Albin Michel الفرنسي  الى العربية مهمة جدا في الوقت الراهن.
 
 

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة