Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

البصرة مدينة النخل والمجاز

432
news room January 24,2021

حسّان الحديثي-لندن


عقدين من الزمن وأنا اتنقل بين المدن كالبدوي الذي يُفني ظهر دابته ويُتلف عصاه ساعياً وراء الماء والكلأ، مع اختلاف آلة السفر وزوادة المسافر، عقدين من الزمن رأيت فيهما عجائب الهند وغابات افريقيا، رأيت بداوة الشرق وتكنلوجيا الغرب، رأيت سحر أوروبا وفتنة أمريكا رأيت عجائب المدن البعيدة وغرائبَ طَبَعَتْها عليها السنون والأزمنة، وما تركته من أثر على وجه الأمكنة وصفحات الأرض والتأريخ.

غير أن مدينةً لا تكاد تغيب عن مخيلتي ساعة حتى تستيقظ من جديد ولا تكاد تُنسينيها مدينةٌ أخرى حتى تعودَ لتطفو على وجه الذاكرة وكأنها السحرُ او أثرُ فتاةٍ ذات حسن ودلال، وجمال وكمال، في قلب عابد عاشق. 

مدينة سحرت عين رائيها وملكت قلب زائرها فتراه رهينَ سيماها وأسيرَ ذكراها مُعلقاً بطرْف حبلٍ  ثنياه بيدها تجرُني اليها كلما فلَّ  قلبي عنها وإن بعدت به السنون وشطّت به الدروب والسبل.

تلك هي البصرة، أمُّ الفتنة والسحر وصاحبة المرابد والنخل، مليحة تعيش بروحين؛ روحِ دجلة وروحِ الفرات، وكأنّها تستلّهما اليها من منبعيهما استلالاً وتجذبهما اليها عبر الصحاري والوديان والحقول والمدن غير آبهة بصعوبة الارض ولا طول المسافة حتى تلمَّهما إليها لمّاً فتمزجهما مزج ساحر حكيم لتصوغهما روحاً أُخرى لتبثها في شط العرب.

هذه هي البصرة سِفْرُها ليس كالأسفار ولا شأنها كشأن باقي المدن والأمصار فهي ربيع دائم وكنز عائم، محفوفة بالخيرات من كل جانب فأرضها عطاء وأعلامها علماء -وأهلها وأن جارت عليهم الدهور والأزمنه- أهل جودٍ وكرمٍ وسماحةٍ وسخاء.

لم أشعر بالسكون والدلال والراحة وصفاء البال مثلما كنت أشعر حين أكون فيها، كنت اشعر بالبساطة في كل شي والعفوية في أي امر فبها تكون الحياة بلا تكلف وفيها يصبح العيش بلا عناء وتجمل.

ومن المدهش والغريب في هذه المدينة أن لا غُربةَ فيها لزائر أو لغريب ، فأشعر وكأنني عشت بها أيام طفولتي وصباي وفتوتي فالجميع منك قريب وكل شيء حولك مألوف والناس حولي وقربي كأنهم أهل بيتي وبقية صحبي.

مدينة لا أستبدل ساعة أجلس فيها على شط العرب بساعة أخرى، أُسرّح النظر فيه؛ تارة ليفكَّ رموز موجة لَصِقتْ بموجة وأخرى ليرتق فتقاً أحدثه بَلَمٌ عَشّاري[1] وقد رقص الماء مداعبا حيزومه، وهو يغادر ضفة العشار الى ضفة التَنّوْمَة[2].

فأطيل الجلوس على شط العرب حتى إذا أقرَّ عيني منظرُ الماء وأحسست بالارتواء والانتشاء تمشيتُ بمحاذاته وكأني وإياه بجنبي مالك ابن الريب[3] ووادي الغضا، فلا انا بقاطعه ولا بالمبتعد عنه ولسان حالي يقول:

فليت الغضا لم يقطع الركبُ عرضه ... وليت الغضا ماشى الركاب لياليا.

فلا أَملُّ السير على كتفه والبقاء بكنفه جيئةً ورواحاً، وكلما مررت من تحت حارس المعاني[4] الواقف على شاطئه وهو لا يعبأ بصروف الليالي وتقلب الأيام، لا يفتأ يملأ المدى صائحاً بالخليج، وما يزال يَسمع الصدى كأنه النشيج فأشعر حينها بنثيث قطرات من المطر قد لامست وجهي وإن كان الجو صحواً والسماء صافية كالزجاجة.

فإذا زالت الشمس الى المغيب وخيم الليل، استُبدلَ ضجيجٌ الزحمة بهمسات السمّار وأنارت العتمةَ وجوهُ الناس ولوّنت الابتساماتُ صفحةَ الظلام وانسابت الى سمعك خيوطُ صوتِ عودٍ هنا أو رنةُ نائحٍ بعتابٍ هناك، حتى اذا انتصف الليل ركدَ كل شئ وسكنتْ امواجُ الشطِّ وهدأت انفاسُ  المارّةٍ وكأن الجميع يُصيخُ الى الأصمعيّ[5] وقد بدأ يروي حكاياتِ الدهر والزمان، أو الكلُّ يُعير سمعه للجاحظ[6] وقد شرع بالشرح والدرس والبيان، حتى اذا تبلّج ضوء القمر وأسكرتِ الشطَّ أنفاسُ  السَحَر، إنحلتْ ظفيرةُ النور وانسابت ذهبيةً على صفحة الماء ، وأنا بين مصدّق ومكذّب أحدّق النظر وأقلب البصر، بين خيوط الضوء وخداع السراب يخُيل لي وكأن تمثال السيّاب، قد تحرّك من مِنبره متأهباً فِعْلَ من يهمُّ ليخوض فيه ليتبع النور على جرفه أو ليسمع صليل الحصى في جوفه

أي سحر هذا يا فاتنة العشاق والسمّار، ويا ضرّة البدور الأقمار، اي فتنة تلك يا مَعين العلم ويا مِربد العرب ومشرف اللغة والشعر والادب، وددت لو عدوت أحمل النذور، إليك من قمح ومن زهور[7]، وددت لو تفيأت فيك ظلال كل خميلة، واطلقت بصري في ربوعك الجميلة، ايتها الرحبة الفيحاء والروضة الغناء الطيبةُ الآفياءِ والأهواء.

وددت  لو عادت بي الأيام اليك حيناً من الدهر يا عروس النهر والبحر، أه لو رجعتُ اليك ساعة يا حلم الخيالِ  ويا مهد الصفاء وموطن الجمال، يا حلوة السِمات والقسمات، وعليله الانفاس والنسمات.

من لي بذياك العهد والزمان، من لي بهاتيك الليالي والساعات، وددت لو كل سفن البحار تؤوب لك وكل دروب الارض تنتهي بك وكل طائرات الكون تهبط على أرضك  فتكوني نهاية كل مسافر وسَفَر، ومحطَّ كلِ رَحْلٍ وراحلة لِأهنأ بسماءٍ بلا غيوم، ولتحرقني شمسها وأنعم بجمال شط العرب، وليغرقني موجه فقد قال احدهم يوماً:

الشمس أجمل في بلادي والظلام[8]

حتى الظلام هناك اجمل

[1]- زورق بصريّ ينقل بين ضفتي شط العرب.
[2] - الضفة الثانية لشط العرب المقابلة للبصرة.
[3]- شاعر اصلامي رثى نفسه حين شعر باقتراب الأجل.
[4]- بدر شاكر السياب.
[5]-عالم لغوي من البصرة.
[6]- عالم وأديب من البصرة.
[7]_ السياب من قصيدة بويب
[8]- السياب

الكاتب

حسان الحديثي كاتب وناقد عراقي لندن المملكة المتحدة

الكاتب:حسان الحديثي

  • للمشاركة