Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

العيد بين الصين وسوريا

798
news room February 11,2021

لجين سليمان

ربما تصنّف الأمم بين  أمم تربط ماضيها بمستقبلها، من خلال الحاضر، وأخرى تفشل في هذا الربط، لأنها تسيء لحاضرها، كاسرة حلقة الوصل بين ما ذهب وما سيأتي، فتصبح مراجعة الماضي أمرا صعبا، والتنبؤ بالمستقبل مستحيلا.

الرجوع إلى مكان الطفولة، أمر شائع لدى الصينيين، فيذهب معظمهم في أوقات الفراغ إلى حيث كانوا يمضون طفولتهم، ويستذكرون ما ذهب، مصرّين على اصطحاب أبنائهم مستقبلا إلى المكان ذاته، كي يعلم الولد أين تربّى الوالد، هي جولة مع صديقي الصيني في شوارع مدينة "تشونشنغ الصينية"، قبيل عيد رأس السنة، تظهر حجم الذاكرة والذكرى التي يمتلكها هؤلاء عن مدنهم، فعلى الرغم من أن تلك المدينة لا تخفي جمالها في هذه الأيام، لا سيما وأنها اكتست زينة وإضاءة جذابة في كل مكان، إلا أن الماضي كان حاضرا في كل خطوة، يقول صدقي " كنت أحرص على القدوم إلى هذا المكان دائما مع والدي عندما كنت صغيرا، إنه من المفرح أنني أستطيع القدوم إلى هنا اليوم، وربما مستقبلا سأجلب ولدي، لأعرّفه على الأماكن الجميلة التي تستحق الزيارة"

تستمرّ الجولة وماهي إلا بضع خطوات إلى الأمام لمشاهدة أجواء الاحتفال  في الشوارع الصينية حتى يدرك المرء حجم البهجة، إنّه الفرح بكلّ معانيه، لأمّة تنمو وتتفوق وتصعد، اعتزاز كبير يلحظة المارّة حتى في زينة الشوارع الحمراء، فلم تترك شجرة إلا وعُلّق عليها فانوس أحمر إعلانا عن بهجة كبيرة.

بين المتجر والآخر، تتناثر قطع الحلوى الصينية، يتجمّع حولها الناس، يجهزون ما يلزمهم قبل البدء بعيد الربيع، إنها الحلوى الشائعة قبل هذا العيد، فلكل عيد حلواه الخاصة، تلك القطع التي تشبه  ما كنا نحضّره في سوريا يوما ما ، قبل أن يفتك الوجع الاقتصادي بالبلاد، ويمنع جزءا لا بأس به من العامة من صنع حلوى العيد.

لربما كان من الأفضل أن أبدأ هذه المادة  بـ "ها قد أقبل عيد الربيع الصيني" لكنها عبارة تذكّرني بما كنا نكتبه عن الأعياد ونحن أطفال، حينها كنا نصف العيد بأجمل الكلمات المفرحة، عندما كانت سوريا مزدهرة قبل تلك الحرب التي لم تنته بعد.

ها أنا ذا أستذكر تلك البلاد حين لم تكن حزينة بهذا القدر عندما كنا طلابا، نغادر مكان دراستنا للوصول إلى عائلاتنا قبل موسم الأعياد بأيام، حاملين معنا سعادة لا توصف، منتظرين أيام العطلة الطويلة، إلا أنني اليوم أنظر إلى ذلك الوطن الذي أصبح ركاما، فكمّ منا أضحى غير قادر على مراجعة ذكرياته في المكان الذي يحب، تلك الأمكنة التي تحولت إلى دمار في أغلب المناطق والمدن، أو أن المكان ذاته لم يعد كما هو، على الرغم من بقائه المادي شامخا، إلا أنها بلاد تغيرت ملامحها بالكامل، فلم  نعد نستطيع تذكّر الماضي بفرح، ولا نعرف ماذا يخبّئ المستقبل.

نعم إنها الأمم التي يحقّ لها أن تشعر بالبهجة، دول تعمل طوال العام لتأخذ استراحة لمدة أسبوع، وتبدأ بعدها عامها الجديد، بكل نشاط، لتعود وتبني وتنشئ ما يحقّ لها أن تفخر به، واصلة ماضيها بمستقبلها، شعوب تعمل حتى اللحظة الأخيرة، دون أن تؤجّل عملها قائلة "لبعد العيد"، تصنع المعجزات لتبني وتحوّل ماضيها إلى تراث، ومستقبلها إلى أمل.

الكاتب

لجين سليمان اعلامية-الصين

الكاتب:لجين سليمان

  • للمشاركة