Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

العرب الأكثر عددا والأغنى في الشرق الأوسط تحكمهم 3 دول غير عربية

3324
news room August 30,2020

 

مفيد الديك

صحيح أن العالم العربي لم يكن يوما بأفضل أحواله منذ فترة طويلة وخصوصا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ونيل غالبية دوله "الاستقلال"، وأضع كلمة "الاستقلال" بين هلالين متعمدا، ولكن وضعه في العام 2020 ربما كان الأسوأ في تاريخه الحديث. والمحزن أن أي مراقب محايد يقرأ حركة التاريخ جيدا يمكنه أن يستخلص، بناء على ما نرى ونشهد، أن الآتي قد يكون أسوأ بكثير وخارج "الصندوق".

ولعل أدل ما يؤكد ما أسوقه في هذه المقالة القصيرة هو أنه رغم أن العرب يمثلون الكتلة البشرية الأكبر في منطقة الشرق الأوسط (350 مليونا)، وأن ناتجهم القومي المحلي الإجمالي (Gross National Product) أكبر من أي ناتج قومي محلي لأية دولة كبيرة في المنطقة، إلا أنهم بكل بساطة وصراحة لا يتحكمون في مصائرهم وكأنهم فعلا لم يحصلوا على هذا "الاستقلال" المزعوم الذي يدعون أنهم حققوه بالثورات والانتفاضات والدم وما إلى ذلك. والمثير للشفقة هو أن كل دولة عربية تحتفل وتنفق ربما عدة ملايين الدولارات سنويا على احتفالات أعياد استقلالها الوهمية التي حققها العرب خلال المئة عام الماضية أو نحو ذلك! 

فهذه الكتلة البشرية الكبيرة نسبيا من العرب في المنطقة (عدد سكان العالم العربي يزيد عن عدد سكان الولايات المتحدة، 330 مليونا)، ويبلغ حوالي ثلاثة أرباع عدد سكان الكتلة الثانية في العالم من حيث القوة العسكرية والاقتصادية، الاتحاد الأوروبي (446 مليونا)، ولكن قوة هذه الكتلة الممثلة في الدول الـ 22 الأعضاء في جامعة الدول العربية هي، وبصراحة مريرة ومحزنة، صفر، لا على الصعيد العالمي فحسب، وإنما على الصعيد الإقليمي. بالطبع، العدد والكم ليسا هما المعيارين الوحيدين اللذين يحددان قوة أمة ما في الإقليم أو العالم، ولكن القوة العددية مهمة، أقله من الناحية الاقتصادية.

أزعم أن حال العالم العربي قبل انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1989/1990، ربما كان أفضل نسبيا منه اليوم، والسبب في ذلك أن هذه الكتلة البشرية العربية كانت منقسمة حينئذ فيما بين الدولتين الكبريين المتنافستين في الحرب الباردة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي. فحينئذ كانت القوتان العظميان في العالم تتعاملان ببعض الاحترام مع بعض هذه الدول على الأقل لأهميتها حينئذ لكل منهما في الحرب الباردة التي دامت حوالي 50 عاما. أما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، فقد باتت هذه الدول كالأيتام على مائدة اللئام. ورغم أنني شخصيا اعتقدت دائما أن انضمام الدول العربية بركب الولايات المتحدة هو أفضل بالتأكيد من الانضمام إلى تحالف الاتحاد السوفياتي، فقد كان انضمام بقية العرب إلى تحالف الولايات المتحدة بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفياتي كان انضماما مهينا وسخيفا وتبعيا ولم يعد على العرب بأية فائدة. وأود أن أؤكد هنا أن العرب هم الذين اختاروا ذلك، وليس الولايات المتحدة. 

هناك أسباب كثيرة لذلك بالطبع، وأترك هذه للمؤرخين، غير أن السبب الرئيسي في ذلك هو أنه لم تكن هناك دولة عربية واحدة لديها نظام ديمقراطي حقيقي تذهب به إلى واشنطن لتحاور سياسيي أميركا من منطلق قوة وتقيم علاقة سوية نسبيا، على الأقل مع القوة العظمى الوحيدة في العالم. وبدلا من ذلك، ذهبت كل من هذه الدول على حدة إلى واشنطن، مقدمة كل شيء لديها، في مقابل أن تحصل كل منها منفردة على واحد من أمرين، أو الأمرين معا: إما المساعدة الاقتصادية أو تأمين الدعم لمشروعية قيادتها السياسية المفقودة تماما بسبب غياب الحكم الديمقراطي في أي من الدول العربية ربما ما عدا تونس بعد ثورتها في 2010.

مسألة علاقة الدول العربية المشوهة مع الدولة العظمى الوحيدة في العالم هي مسألة شائكة ومعقدة وتاريخية وتحتاج إلى بحث مفصل من مفكري ومؤرخي وخبراء العرب. ولكن الأسوأ هو وضع هذه الكتلة البشرية في الإقليم، أي الشرق الأوسط. فرغم أن العرب هم الكتلة البشرية الأكبر وناتجها القومي المحلي الإجمالي هو أكبر من الناتج القومي المحلي للدول الثلاث التي تتحكم في مصائر العرب من المحيط إلى الخليج – والتي ليست بينها دولة عربية واحدة أو تكتل لدول عربية يمكن وصفها بدولة "عظمى" في المنطقة. 

الدول "العظمى" الثلاث في هذه المنطقة التي تتحكم في مصيرها بالكامل، وبدرجات متفاوتة، هي إسرائيل (8.5 مليون نسمة) وتركيا (82 مليونا) وإيران (81 مليونا). إثنتان وعشرون دولة عربية يبلغ عدد سكانها مجتمعة أكثر من 350 مليون نسمة ليست منها دولة واحدة أو تكتل دول يمكن أن تصفها بأنه دولة "عظمى" أو مسيطرة في هذا الإقليم. بالمناسبة، أعمار هذه الدول الإقليمية العظمى الثلاث في التاريخ الحديث ليست أطول من أعمار غالبية الدول العربية الحديثة، بل إن واحدة منها، إسرائيل، لا زالت قيد التأسيس لأنها لم تحدد حدودها رسميا بعد!

وإذ نظرنا إلى الموضوع من منظور آخر، منظور الناتج القومي الإجمالي، فإن مجموع الناتج القومي المحلي العربي، أي مجموع الناتج القومي المحلي لكل أعضاء جامعة الدول العربية، بلغ في العام 2019 حوالي 2,8 تريليون دولار – أي أكثر قليلا من قيمة شركة آبل الأميركية التي تخطت حاجز التريليوني دولار الشهر الماضي. نعم مجموع الناتج القومي العربي ببتروله وغازه وغنمه وبقره وحميره لا يزيد بأكثر من 800 مليار دولار عن قيمة شركة آبل السوقية اليوم. 

ولكن هذا الناتج المحلي العربي هو أكبر من مجموع الناتج القومي المحلي الإجمالي للدول الثلاث المسيطرة على المنطقة. الناتج القومي المحلي الإجمالي لتركيا في العام 2019 كان حوالي 771 مليار دولار وناتج إيران القومي المحلي كان حوالي 450 مليار دولار في العام 2017 (لا تتوفر أرقام موثوقة بعد العام 2017)، فيما بلغ الناتج القومي المحلي لإسرائيل في العام 2019، 395 مليار دولار. إذاً الناتج القومي المحلي للدول العربية يبلغ حوالي ضعفي الناتج القومي المحلي الإجمالي للدول الثلاث المسيطرة على الشرق الأوسط.

والمحزن أن كل واحدة من هذه الدول العربية الاثنتين وعشرين تسعى جاهدة، باسم الحفاظ على "استقلالها" و"قرارها المستقل" للتقرب من واحدة من هذه الدول الثلاث السابقة الذكر، إما عن طريق تقديم الخاوات المالية لها أو منحها جزءا من أراضيها لتقيم هذه الدولة أو تلك عليها القواعد العسكرية لدعم حروبها بالوكالة في المنطقة، أو عن طريق التخلي عن سيادتها كاملة لهذه الدولة أو تلك من أجل أن تحظى هذه الدول بنوع من الأمان في محيطها، الذي هو أساسا محيط عربي!  

وعلى الرغم من أن العديد من الدول العربية تقيم علاقات "تحت الطاولة" -- وبدرجات متفاوتة -- مع إسرائيل التي كان العرب يرفعون شعار أنها "عدوة العرب أجمعين" منذ تأسيسها، إلا أن ما رأيناه وما سنراه، خصوصا إذا ما أعيد انتخاب دونالد ترمب رئيسا للولايات المتحدة في نوفمبر المقبل، سيكون مشهدا مذهلا ومفجعا. الكثير من العرب سيهرولون إلى إسرائيل وسيجدون أن من الأسهل عليهم التحالف معها بدلا من تركيا أو إيران.

الدول العربية كلها على مدى الثمانين عاما الماضية من استقلالها الوهمي تبادلت التحالف مع كل واحدة من هذه الدول الثلاث، وأحيانا مع ثلاثتها "واحدة عالمكشوف والإثنتان الأخريان تحت الطاولة"! ولا أرى أي تغير أبدا في هذا التوجه، سوى أنه قد يترسخ ويصبح، على الأقل مع دولة بعينها، أكثر "عالمشكوف" منه تحت الطاولة.

والمحزن أكثر أن تحالفات كل هذه الدول العربية مع أي من الدول الثلاث ليست للدفاع عن "استقلال" هذه الدول ضد عدوان محتمل من قبل أي من الدول الثلاث، أو للدفاع عن سيادة أو استقلالية قرار أي منها، بقدر ما هو ناتج عن خوف من غدر أو رعونة هذا الزعيم أو ذاك من إخوته الجالسين على عروشهم بالقرب منه.

والسؤال المحزن هو: ألا يرى العرب ذلك؟؟ ألا يشعرون بالخجل أنهم أصبحوا شعوبا تعاني من ظاهرة انعدام الوزن منذ "الاستقلال"؟؟ ألم يحن الوقت لكي يعيد العرب دراسة معنى كلمة "استقلال"؟

 

 

الكاتب

مفيد الديك إعلامي ودبلوماسي أميركي سابق.

الكاتب:مفيد الديك إعلامي ودبلوماسي أميركي سابق.

  • للمشاركة