Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

العقوبات تقتل الشعوب ولا تسقط انظمة

931
news room October 12,2020

بعد ان فرضت الولايات المتحدة الاميركية عقوبات جديدة على إيران دون رضى الأعضاء الباقين في مجلس الامن الدولي أصبحت أميركا الدولة الوحيدة في العالم التي تتحدى الامم المتحدة وتهيمن عليها بالقوة. وقد توعد الرئيس الاميركي دونالد ترامب بالرد على رفض أعضاء مجلس الامن الدولي تمديد حظر السلاح المفروض على إيران حيث قال اننا "سنقوم باجراءات للرد على ما حصل في مجلس الامن الأسبوع الماضي". فما هي العقوبات الاقتصادية؟ وهل أصبحت هذه العقوبات وسيلة بيد الدولة القوية ضد الدول الضعيفة؟ وهل ان الاستخدام لهذه العقوبات بهذا الشكل المتكرر يمثل دليلا على نجاحها؟ وما هو مدى فعاليتها وتأثيرها على الدول المعاقبة؟ وأخيرا هل هي وسيلة لتصفية حسابات سياسية؟


العقوبات الدولية هي مجموعة إجراءات تتخذها الدول او المنظمات الدولية مثل الامم المتحدة من خلال هيئات صنع القرار فيها ضد دول أخرى لا تحترم التزاماتها بالامتثال لأحكام الاتفاقيات ولقرارات مجلس الامن الدولي، كذلك الهيئات غير الدولية او الأفراد الذين يشكلون تهديدا للسلم والأمن الدوليين. المعايير او القرارات التعاقدية الدولية هي ذات طبيعة فوق وطنية وتلزم الدول التي تبنتها ليس فقط بتطبيقها، ولكن ايضا بضمان توافق تشريعاتها مع هذه المعايير. 

وفقا لميثاق الامم المتحدة ولا سيما في الفصل السابع منه، وفي المواد ٣٩حتى المادة٥١ فإن مجلس الامن هو صاحب الاختصاص في اتخاذ قرارات تسوية النزاعات وفرض العقوبات، والمادة ٤١تنص على الآتي :"لمجلس الامن ان يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته وله ان يطلب الى أعضاء الامم المتحدة تطبيق هذه الإجراءات ، ويجوز ان يكون بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئيا او كليا وقطع العلاقات الدبلوماسية". 

يتبين لنا من خلال هذه المادة انه يجوز لمجلس الامن ان يتخذ تدابير لصون او استعادة السلم والأمن الدوليين قبل استخدام القوة العسكرية المباشرة حسب المادة ٤٢التي تلي في الميثاق. 

تتخذ عقوبات مجلس الامن أشكالا مختلفة وتخدم أغراضا مختلفة، وهي تتراوح بين عقوبات اقتصادية وتجارية بعيدة المدى وتدابير اكثر استهدافا مثل حظر الأسلحة وحظر السفر والقيود والعقوبات المالية. وقد طبق مجلس الامن عقوبات لدعم عمليات الانتقال السلمي للأنظمة السياسية ووقف ضد التغيير غير الدستوري في بعض الدول ومحاربة الإرهاب وحماية حقوق الانسان وتعزيز عدم الانتشار النووي. 

منذ عام ١٩٦٦ وضع مجلس الامن ٣٠ نظاما للعقوبات في جنوب أفريقيا ويوغوسلافيا السابقة وهايتي والكونغو الديموقراطية وساحل العاج وليبيا والعراق وكوريا الشمالية. كذلك ضد القاعدة وطالبان. إلخ


العقوبات هي ايضا اداة ضغط سياسية ودبلوماسية مستخدمة على نطاق واسع من الدول الكبرى وخاصة الدول الغربية. على سبيل المثال وفقا لبيانات وزارة الدفاع الاميركية هناك ٣٢ نظاما للعقوبات ساري المفعول حاليا أبرزها العقوبات التي فرضت على كوبا منذ٦٠عاما ولاتزال وعلى إيران المتهمة دوما انها تدعم الإرهاب وتتوسع على حساب جاراتها وترعب إسرائيل بدعمها لحزب الله وحماس في فلسطين المحتلة. في غضون ذلك تفرض كندا عقوبات على ٢٠ دولة مختلفة او جماعة ارهابية مثل القاعدة وداعش. ويفرض الاتحاد الأوروبي بتنفيذ عقوبات على حوالي ٣٠دولة. هذه العقوبات تعتبر اداة سياسية غير مكلفة مقارنة بالحروب والنزاعات المسلحة. وربما أكثر شعبية لدى الجمهور. لكن الإشكالية الكبرى هي انه عند سن العقوبات من المستحيل معرفة او تحديد المستوى الدقيق للتدابير التي يتعين اتخاذها: أي  مداها، تأثيرها ، فعاليتها وأنوعها وأشكالها ، حتى يكون لها تأثير على سياسة الدولة الخاضعة للعقوبات؟  

 كيف يمكن ان نحدد فعالية العقوبات الدولية على الدول المعاقبة؟ 

 

أولا: هناك العديد من العوامل التي يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار منها: الكلفة الاقتصادية للدولة المعاقبة وطبيعة نظامها السياسي (ديموقراطي او ديكتاتوري)، مدى الاستقرار السياسي والاقتصادي للنظام، وطبيعة العلاقة بين الدولة التي عاقبت والدولة المعاقبة (حجم العلاقات الاقتصادية والتجارية) التضامن والتماسك الدوليان مع العقوبات، الوقت الكافي للعقوبات واخيرا حجم الدولة وقوتها (روسيا والصين. غير ليبيا مثلا)


في استعراضه لـ 204 من أنظمة العقوبات الاقتصادية من عام 1914 إلى عام 2007 (معظمها من جانب واحد)، يقدر معهد بيترسون للاقتصاد الدولي أن هذه الأنظمة لعبت دورًا في تحقيق الهدف المعلن بنسبة 34٪ من الوقت. وفقًا لدراسة أجراها جورج أ. لوبيز وديفيد كورترايت (2002) بشأن أنظمة عقوبات الأمم المتحدة ، فقد ساعدت العقوبات في تحقيق الهدف الذي سعى إليه مجلس الأمن في 6 من القضايا الـ 18 التي تمت دراستها (العراق ، البوسنة ، ليبيا ، سيراليون ، أنغولا ، ليبيريا).لذلك من الصعب قياس فعالية العقوبات ، طالما أن الهدف النهائي ليس محددًا بوضوح دائمًا (تأخير أو الحد من الحصول على القوة النووية هو بالفعل شكل من أشكال النجاح ، حتى لو كان الهدف المعلن هو 'منعها) أو قد تختلف بمرور الوقت ووفقًا للجهات الفاعلة (في التسعينيات ، أشار الرئيسان بوش وكلينتون على التوالي إلى أن العقوبات ضد العراق ، اتخذت على أساس نزع السلاح وعدم الانتشار ، ما دام صدام حسين في السلطة). علاوة على ذلك، من الصعب التمييز في النجاح الدبلوماسي بين الجزء المتعلق بالعقوبات وجزء الأدوات الأخرى المستخدمة (علاوة على ذلك، تكون العقوبات أكثر فعالية عندما يسقط النظام. بالمقابل نرى ان العقوبات كانت فعالة في تدمير البلد المعاقب وهذا ما حصل في كوبا وأفغانستان وفي الطريق ايران 

حسب ال بي سي فإن العقوبات الاميركية ضد إيران أدت الى تراجع حاد في الاقتصاد الايراني مما دفع قيمة عملتها الى تسجيل مستويات منخفضة ورفع معدل التضخم السنوي الى أربعة اضعاف وإبعاد المستثمرين الأجانب واثارة الاحتجاجات

.
خلاصة القول ومن خلال هذه التجارب التي تحدثنا عنها سابقا ان نظام العقوبات ليس فعالا في إسقاط الأنظمة باستثناء بعضها وإنما هذه العقوبات يدفع ثمنها الشعوب التي تزداد معاناتها من القهر والحرمان ويبقى النظام المستهدف بمنأى عنها وتصبح هذه العقوبات قصاص جماعي للمواطنين ( ففي العراق مثلا قتلت العقوبات اكثر من نصف مليون طفل ولا احد من العرب كلف نفسه في التحقيق بجريمة العصر هذه بينما نرى ان مسؤولا سابقا في الأمم المتحدة هو جون زيغلر قد كشف المستور، وهو ما حصل ايضا في أفغانستان وليبيا والسودان وحاليا في سوريا وغيرها حيث يموت الناس جوعا او فقرا ) ، كذلك نشاهد اليوم كيف ان الحرائق والجوع والفقر والامراض تغزو مثلا سوريا، بينما نظام العقوبات يمنع الاستيراد والتصدير المصارف وغيرها بذريعة اضعاف النظام،  بينما نرى ان كل ما فعلته إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني لم يلق أي عقوبات. 

 الهدف المعلن من العقوبات هو إسقاط النظام او إرغامه على التنازلات او دفع الناس الى الثورات والعصيان ضده، لكن النظام قد يعود ويمارس اقسى أنواع الإرهاب والقوة ضد مواطنيه، وهكذا في كل الأحوال يبقى الشعب هو الذي يدفع الفاتورة الغالية من ارواح الناس. فهل يعاد النظر في مجلس الامن الدولي بنظام العقوبات؟ ربما نعم لان دولا عديدة تطالب بذلك، ولعل تراجع أحادية السطوة الأميركية وبلطجتها على العالم وظهور قوى كبرى قد تتفوق عليها مثل الصين، او ترسخ دورها مثل الهند وروسيا والبرازيل وألمانيا وغيرها، قد يدفع بهذا الاتجاه الإنساني الاجتماعي الضروري لحماية الشعوب من عبثية العقوبات واجرامها في الكثير من الأماكن، دون ان يلغي ذلك ان بعض العقوبات مفيد.    

الكاتب

بروفسور عادل خليفة استاذ محاضر في العلاقات الدولية والقانون الدولي له مؤلفات عديدة بالسياسة والقانون

الكاتب:عادل خليفة

  • للمشاركة