Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

الأخ الكبير  في رواية أورويل وفي بلادنا العربية

1230
news room April 1,2021

هنا الأعرج-الأردن

في البيت ، المدرسة،الجامعة، والعمل وفي العقل والذاكرة، وفي أشد الأوقات عزلة وخصوصية، في الطريق، في شارع لا يؤدي الى أي هدف، في الماضي والحاضر  و الغد، في كل تفصيل صغير أو كبير يمر هذا الأخ الكبير ،يراقبك، يسلبك، ويمنحك ما يرغب.

جورج اورويل لم يكُ عبثياً أو متشائماً في أعجوبته السوداوية والدستوبية  رواية 1984.كان ذا نبوءة عالية وهو يفصّل  النظام الشمولي الاوتوقراطي أيا كان شكل أيديولوجيته. حيث الشمولية السميكة التي تحتكر الإنسان تماما  وتحيل المواطن الى مواقع القهر والهدر والخوف والجهل،وحيث المازوخي العاشق للعبودية والذي يرى أن خيوط شخصيته تترابط بمقدار تخليه عن التفكير والاستعداد التام للانبطاح والاستسلام. 

رواية 1984 لا تجسد واقع مجتمع بريطانيا ودولته العظمى " شيخ الاستعمار " فقط، بل هي تنسحب بنفس الدرجة والتأثير على عالمنا حيث دولة الفرد والزعيم فقط يقابله رعايا تابعون، وحيث المواطن العربي عاش وما زال يعيش فصول رواية اورويل بتطابق تام. فالقائد المفدى الاوحد في كل مكان .صوره لا تبرح اي جدار.نموذجه بخترق حتى المخيلة ويستقر تحت اقياونوس الشعور هناك حيث يعبث باللاوعي ويسرقه. للدرجة التي بات معها المواطن يمارس ميكانيزم نفسي ممل، اي  

" التماهي مع المستبد " أو متلازمة ستوكهولم حيث الضحية تتعاطف مع جلادها.  فالمواطن لا يعرف ولا يرى ذاته الا من خلال الزعيم والقائد والمسؤول نفسه.

هذه الذهنية التي عملت الانظمة الشمولية من خلالها على طمس العقل العربي وإخراجه من اعتباراته ومن تاريخه؛ أسست لازدواجية التفكير من خلال شعارات كالحرب هي السلام والحرية هي العبودية والحب هو الكراهية وغدت معها أي محاولة للمقاومة واستعادة الحرية والكرامة في العقل الجمعي بعد مطالب الخبز والعدالة ستحيل البلاد الى فوضى سياسية وتآمر مع أجندات خارجية،ومن سيدفع الثمن هم العباد الذين لن يتجرعوا الا المزيد من الألم والضياع. 

انها بارنويا الحصار التي تقنع المواطنين دوما بان هناك عابثين بالوطن وأن الأخ الأكبر هو الحارس والمنقذ و المخلّص.

نوع من المساومة الرخيصة على حقائق موهومة. 

لم يشكل العالم العربي ثورته بالمعنى الحقيقي  بعد رغم محاولات تونس قبل اكثر من عشر اعوام وما تلاها من دول عربية، 

ذلك أن منظومة الأخ الكبير اختطفت هذه الحركات فورا عبر أدواتها ومنها  وزارات الحقيقة في مشرقنا ومغربنا والذي قصد بها اورويل الاعلام الرسمي والموجه حيث ساهم في غسل الادمغة ونشر خطاب الكراهية  واقصى كل من حاول تعميل العقل وتوحيد الصف.

هي سادومازوشية  ( تعذيب الآخر او تعذيب النفس) وبلاد تتوهم الأمان: ليس في جعبة الأخ الكبير سوى الايغال أكثر في ساديته الواسعة  وتأزيل سلطته وامتلاكه للوطن زمانا ومكانا وشعبا،وليس في جعبة الاخوة الصغار " المواطنين " سوى التماهي مع هذا المستبد حتى الوجع الأخير.هذه العلاقة الثنائية ما فتئت تواصل تشكيل المشهد وتنتجه في كل تفصيل .والنتيجة يبقى الأخ الكبير سيدا ويتوهم الأخ الصغير أنه يعيش بآمان. 

بعد كل ذلك ،هل ثمة في الأفق بارقة أمل،تعيد الإنسان العربي ملكًا لذاته لا لأجهزة القمع الضبطية ،وتفتح فصلا جديدا للعلاقة بين الدولة والشعب تقوم على قاعدة اللقاء الانساني حيث الاعتراف المتبادل بينهما وحيث المساءلة و المكاشفة وحيث التنمية والنهوض والكف عن الهرولة الى الخلف ، والبدء بالركض نحو الأمام؟

بلا هذا لن تقوم لنا أوطان بعد أن جرّب فينا الأخير الأكبر كل شيء، ففشل وفشلنا.

الكاتب

هنا الأعرج-الأردن كاتبة واعلامية مُدرّبة على فنون التواصل

الكاتب:هنا الأعرج

  • للمشاركة