Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

العامل الإنساني في دبلوماسية زمن الكورونا

282
news room September 14,2020

 لا ريب أن التطور العلمي الكبير الذي حدث في عالمنا، وفر إمكانات هائلة للتواصل بين البشر والدول. الا أن ذلك لا يحجب حقيقة أن العنصر الإنساني في الشؤون الدبلوماسية يبقى حيوياً، على الرغم من أن العديد من الباحثين في الشؤون الدولية يميلون الى التقليل من شأنه. وفي هذا السياق، لا نجد أفضل من أزمة "كورونا" التي احدثت اهتزازات جسيمة في مفاصل النظام الدولي، سياسية واقتصادية واجتماعية، للتأكيد على صحة هذا التحليل؛ فقد جرت مئات الاجتماعات عن بعد، عبر تقنية الفيديو، بين المسؤولين الدوليين المعنيين، إلا أنها لم تتمكن من وضع استراتيجيات متكاملة للتعامل مع هذه الجائحة. ونرى ان أحد أسباب هذا القصور يعود لعدم التمكن من التواصل المباشر، واللقاء وجهاً لوجه، بين الأطراف المعنية بإيجاد المعالجات اللازمة لهذه الأزمة الدولية غير المسبوقة. وقد أوضح الممثل الأعلى للشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي"Josep Borrell" أثر فقدان التفاعل الانساني على الاتصالات الدبلوماسية قائلاً:

 

"إن التواصل وعقد الاجتماعات عبر الهاتف والفيديو يعدان أفضل من لا شيء، غير أن تلك الاجتماعات عن بعد ينقصها عامل محوري، يشكل الاساس لتمكين العمل الدبلوماسي من تحقيق أهدافه ألا وهو التفاعل الإنساني. فمن أجل التوصل الى اتفاقيات وعقد الصفقات، ينبغي عليك ان تنظر في عيون الآخرين، وتنخرط معهم بصوره مباشرة، وتجري مباحثات جانبية لعلها تؤثر إيجاباً وتدفعهم الى تغيير مواقفهم. صحيح أن الدبلوماسية المتعددة الاطراف في أوروبا والعالم تعاني من ضائقة حقيقية، ولكن الأصح ان أحد اسبابها يرجع لغياب عامل الثقة، هذا المكون السحري الذي يساعد المسؤولين والقادة على قبول التسويات. وهذا المكون يصعب بناؤه من خلال محادثات تجري بتقنية الفيديو".([1])

  

إذاً، من الواضح أن التواصل الدبلوماسي الذي يجري بواسطة الآلة يعمل على تحييد المشاعر الإنسانية إلى درجة عزلها عن العملية التفاوضية، مما يحرم المفاوضين من واحدة من أهم وسائل الضغط والتأثير على الجهات المتصلبة بمواقفها. وخير مثال على ذلك قد يتجسد بالقمة الأخيرة للاتحاد الأوروبي التي عقدت في "بروكسل"، في شهر تموز من العام 2020، بغية التوصل إلى اتفاق حول حزمة مالية ضخمة للتعافي الاقتصادي. فقد دارت جلساتها المتواصلة لأربعة أيام، وعقدت بعض جلسات التفاوض في ساعات الفجر الأولى، فضلاً عن خلوات جانبية وجهاً لوجه من أجل الضغط على الأطراف المتصلبة ودفعها لتليين مواقفها

 

وهنا يجوز لنا التساؤل، كم كانت ستطول مدة القمة فيما لو كانت الاجتماعات افتراضية؟ نعتقد أن أوروبا كانت ستحتاج إلى مئات الساعات من الاجتماعات بواسطة الvideo conferenceقبل إقرار خطة ضخ ما يقارب ال900 مليار دولار في شرايين الاقتصاد الأوروبي لتجاوز تداعيات جائحة "كورونا".

 

والواقع ان أخطر ما في الازمات، وذلك الأمر سيان أكان في العلاقات الإنسانية أم الدولية، يكمن في كونها تصيب المشاعر الإنسانية بعطب قد يصعب فيما بعد اعادة ترميمه، لأن الخوف يصبح متحكماً بالوعي الداخلي لصانع القرار، مما يجنح به إلى التفكير باتخاذ قرارات انفعالية، في وقت يبدو المرء فيه بأمس الحاجة الى أعصاب باردة ورجاحة في التفكير تسمح له بالتعامل مع مثل تلك المواقف المعقدة

 

وفي الوقت عينه، تمكنت ثورة الاتصالات والمعلومات من كسر حاجز المسافات الى درجه الحديث عن تقلص دور الجغرافيا في العلاقات الدولية، إلا أنها لم تلغ التاريخ الذي عادة ما يفيض، إبان الازمات والحروب، بالمشاعر الإنسانية الراسخة في عمق الذاكرة الجماعية، وما ينبثق عنها من تغييرٍ في الرغبات والقناعات، وتداعيات هذا الواقع الجديد على مسار القرارات والسياسات العامة.

 

 

وعليه، نرى أنه ما زال للتفاعل الانساني دور مؤثر في الدبلوماسية المعاصرة، بالرغم من كل الوسائل التقنية المتقدمة التي وفرها عصر العولمة الذي نعيش في ربوعه.

 

 

 

 

 

([1]) راجع مقال: Borrell، Josep،Corona Marathon: Moving on all tracks ، نشر على الموقع الالكتروني للاتحاد الأوروبيeeas.europa.eu بتاريخ 19/4/2020.

 

 

 

 

 

الكاتب

دكتور وسام كلاكش دبلوماسي لبناني

الكاتب:د.وسام كلاكش

  • للمشاركة