Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

 أحلام معطوبة

1240
news room November 12,2020


 
أن تكون عشرينيّاً في سوريا يعني أن تحمل عبء أحلامك وتوقد شمعة عسى أن تحدث معجزة وتتحقق.. أن تتزامن مرحلة شبابك مع بداية عام2011 يعني أن تختار شيخوختك مبكراً فالمخططاتُ الوردية التي رُسِمت في مخيلتك مقدر لها أن تغير خارطتها   ...
أذكرُ جليّاً تلك الفترة حين كنتُ في مراجعة دراسية للامتحانات الأخيرة من الشهادة الثانوية وبدأت الفوضى في آذار.. الفوضى غير المعروفة التي أحاطت بها علامات الاستفهام بدايةً.. فاعتقادنا كان منصرفاً تماماً على أن يمر ربيع في بلادنا..
ذلك الوقت بالتحديد كان مخصصاً للتركيز على المرحلة التي منها بوابة عبورنا لاختيار فرع المستقبل، كنا ندرس مع موسيقى نشرات الأخبار في استنفار تام عند سماع أي صوت يمر في الحي، جهود الأهالي في الأحياء والمناطق انصرفت للحراسة مؤسسين ما يسمى لجان أحياء شعبية تتعاون مع الأمن لكي ننام ليلةً أخرى دون خوف..
كثيراً ما تحولت دراستنا الليلية لسهرةٍ رومانسيةٍ الزامية على أضواءِ الشّموع نظراً لانقطاع التيار الكهربائي بما يتناسب مع أماكن الهجوم الحاصل 
 رغم فيض التوتر أكملنا ما نحن فيه. قدمنا الامتحانات وكان لكل مجتهد نصيب.. جاءت مرحلة اختيار ما يناسب أحلامنا كما خِلنا.. لكن ظروف الحرب فرضت علينا أن نعبر طريقاً آخر فالتزم كل من هم في عمري بأقصر الطرق وخاصة الفتيات نظراً لخوف الأهل المبرر طبعاً في تلك المرحلة الحساسة..
اكتفت العائلات بإرسال أولادها الى الجامعات المحيطة والقريبة. فمثلاً ابن الساحل يختار جامعات طرطوس أو اللاذقية أما من أُجبِرَ على إرسالِ ابنهِ إلى جامعةٍ بعيدة في دمشق بحكم توفر الفرع المفروض أو كرغبةٍ مستميتةٍ في الدفاع عن الحلم بدا كأن همه بات كبيراً جداً.
الشباب السوري دفع ثمناً كبيراً من أحلامه التي تزامنت مع خريف الوطن وتلاحقت بعدها الأعوام والنوائب على الشباب فأُفلتت البوصلة من الأيدي..
كُتِبَ للبعض النجاة والسفر وإكمال الدراسة خارجاً وكتب للبعض الآخر أن يحمي الوطن على حساب نفسه، ومنهم من اختار الموت غرقاً بسفن تجارية تشتري أرواح الناس بتجارةٍ رخيصة..  
مرت سنواتٌ عشرٌ والألمُ لم يغلقْ بل غدا أعمق والأحلام ضاقت وصَغُرت. فقدنا الرفاق والأصدقاء وأسكنت الأشواق شاشاتٌ إلكترونية.. 
المضحك المبكي ليس فقط ويلات الحرب ومخلفاتها وأزمة اقتصادية خانقة. فقد زاد الطين بلة فايروس صغير يدعى كورونا غزا العالم وألم بنا كأنّ شعوبنا العربيّة محكومة بالشفاء.  
مازالت طوابير الشباب السوري أو من تبقى منهم دون أن تطحنه ريح الحرب أو الغربة أو اللجوء أو المرض ينتظر كل شيء. ينتظر الشباب عمره كي يمضي بأقل مصائب ممكنة. ينتظر أملا يختفي ويتلاشى يوما بعد آخر. يعود الى كتب التاريخ علّه يجد ما يشبه الحاضر وما يعد بقيامة ممكنة. ينتظر معجزة تأتي بالانفراج. بات الانتظار سمة جيلنا، من طوابير الحصول على لقمة العيش، الى طوابير المنتظرين على قارعة الأمم كي يمرّ من يسأل كيف حالنا اليوم. ننتظر عند محطات العمر وقطار الزمن على مرأى ضمائر ميتة في هذا العالم....
مكتوب ٌ على جيلنا، ان يشيخ قبل الأوان. وأن تبقى أحلامنا معطوبة بواقع مستحيل.

الكاتب

زينة رزق اعلامية

الكاتب:زينة رزق

  • للمشاركة