Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

آيا صوفيا بين الإسلام والسلام المقدس

1846
news room July 17,2020

 

 

 

 

ريما الرويسان:

 

امتلأ العالم وشُغل ناسُه منذ أيام بخبر تحويل كنيسة " آيا صوفيا" في تركيا الى مسجد. وبغض النظر عن التبريرات التركية لهذه القضية التي كانت البشرية بغنى عنها في فترة الويلات التي نعيشها، وبغض النظر أيضا عن الانتقادات العالمية الكثيرة التي أعقبت القرار التركي،  قد يكون من المفيد، العودة الى تاريخ هذا الصرح المعماري الديني -الثقافي- الإبداعي الهائل، لنفهم سبب الضجة الكبيرة الحاصلة حاليا بعد قرار المحكمة التركية تحويلها الى مسجد في واحدة من سلسلة التحولات الكبيرة التي طرأت  عبر التاريخ على هذا الصرح من كنيسة الى مسجد الى متحف ثم الى مسجد.

 

لعلّنا اذا ما قلّبنا  صفحات التاريخ الروماني والعثماني والتركي نتبين  بعضا من حقيقة ما يُثار حول آيا صوفيا اليوم..

 

صوفيا هي كلمة يونانية وتعني الحكمة وأيا صوفيا تعني "ضريح حكمة الله المقدسة". (وهي بعيدة كل البعد ولا ترتبط بالقديسة صوفيا الشهيدة) بُني هذا الصرح الرائع في عام 537 م، في عهد الإمبراطور الروماني جستينيان الأول، وكانت حينها أكبر مبنى في العالم وأول من استخدم قبة معلقة بالكامل في السماء.

 يُعتبر المبنى جوهرة وتحفة العمارة البيزنطية، فهو غيّر مجرى تاريخ العمارة آنذاك فقال  النقاد عن الكنيسة،  إنها "تحتل مكانة بارزة في العالم المسيحي" أو :" إنها أعظم الكنائس المسيحية".  ويرجع المؤرخون أهميتها الاعتبارية لكونها رمزا ثقافيا ومعماريا وأيقونة الحضارة البيزنطية والمسيحيَّة و الأرثوذكسيَّة.

 

تاريخ بنائها:

 

بنيت الكنيسة على أنقاض كنيسة قديمة أقامها الإمبراطور قسطنطين العظيم لتحتوي جسد القديسة صوفيا القبطية. فالكنيسة القديمة كانت قد احترقت في أحداث شغب، وسرعان ما شرع الإمبراطور جستينيان في بناء الكنيسة  البديلة التي استغرق بناؤها خمس سنوات.  

 

يبلغ طولها مائة متر وارتفاع القبة خمسة وخمسين مترا وبذلك كانت اعلى قبة في ذاك الزمان، ويبلغ قطر القبة ثلاثين مترا.  لم يكن لتلك القبة الضخمة أي مثيل في العالم، فالناظر اليها يراها معلقة في الهواء، كأنها اختزلت هي والكنيسة فعلا   العديد من الأفكار المعمارية الجميلة والتي كانت قمة فن العمارة البيزنطية.

 

يقول أحد مؤرخي عصر جستينيان أنه من شدة إعجاب هذا الأخيربالمبنى لم يطلق عليه اسم أي من القديسين بل أطلق عليه اسم الحكمة الالهية أو المقدسة «سانت صوفيا» ونقل أيضا عن جستينيان قوله "يا سليمان الحكيم لقد تفوقت عليك" قاصدا بذلك النبي سليمان الحكيم الذي تقول الأسطورة انه كان يُسخَّر الجنَّ لتشييد الأبنية العظيمة!

تقع أيا صوفيا في إسطنبول(القسطنطينية سابقاً) وهي مزيج عجيب من روائح البناء والعمارة والهندسة والفنون. تلتقي فيها اغلب الديانات فقد كانت كاتدرائية، بطريركية، مسيحية أرثوذكسية يونانية، وكاتدرائية روم كاثوليك، ثم متحفاً علمانياً لتتحول الى مسجد إسلامي.

 

 

 من هو المعماري الفريد الذي بني أيا صوفيا؟

 

لم يكن معماريا او مهندسا واحدا من وقف خلف هذا الصرح الديني الثقافي الحضاري الساحر. بلا كانا اثنين من أشهر معماريي عصرهما، وهما  أيسيدروس الميليتوس وأنتيميوس الترالليسي.  قاما بترجمة الاعمال المختلفة  للعالم العظيم أرخميدس فبدا تأثير مبادئه  للهندسة الصلبة واضحا على ثبات الطراز المعماري.

 في العام 1453م امر السلطان العثماني محمد الفاتح بتحويل الكنيسة إلى مسجد فأزيلت الأجراس والمذبح َالحاجز الأيقوني والدرج والمعمودية، ودُمرت الفسيفساء التي تصوّر المسيح وأمه مريم و القديسين المسيحيين وصور الملائكة وأُضيف للمبنى سمات معمارية إسلامية كالمنبر والمآذن والمحراب.

 

 وفي العام 1935م حولت أيا صوفيا من مسجد إلى متحف بعد قيام الجمهورية التركية العلمانية.  واخيراً  اختار الرئيس رجب طيب أردوغان هذا العام تحديدا ليثير الجدل ويغذي صراع الأديان وهو الذي يدّعي التسامح والحرية والسلام ! وكأنما لا يكفي هذا الزمن ما شهده من صدام وصراعات بين الحضارات والأديان .

 ان تحويل  آيا صوفيا من متحف إلى مسجد مجددًا أحدث ردود فعل عالمية وجدلا واسعا، ما بين مؤيد ومعارض. وهنا ليس مهما فقط   (ترديد) أركان الإيمان بل (الإيمان الخالص بها كلها) ومنها الركن الرابع وهو الإيمان بالرُسل فقد قال تعالى (فامنوا بالله ورُسله)  والتالي فان الاسلام يحترم كافة الديانات سواء اليهودية أو المسيحية ومنحهم  الحرية التامة في ممارسة طقوس دينهم ولنا في رسول الله محمد أسوة حسنة حيث عاش في مدينة جيرانه يهود بني قُريظة وكان لرسول صلى الله عليه وسلم اتفاقيات وتحالفات معهم.

 

لعل التذكير مهم في هذه الأوقات العصيبة، بان الإسلام دين تعايش وتسامح ومحبة وسلام. ومهم ٌ أيضا القول بأن في هذه الأرض ما يكفيها ويكفينا من حروب وأوبئة فتكت بالبلاد حتى نضيف عليها ما يقهرها ويقهر البشر.

 

 أرض الله مليئة بالمساجد التي يُذكر فيها اسم الله ولكن أين الإسلام؟؟ الدين الإسلامي ليس فقط آذانا بل هو ممارسة عمليه لأركانه ويخطئ من يعتقد أن الإسلام فقط عبادة ، فهو أيضا خُلق ومعاملة ومنطق وتسامح وتعايش مع كافة الأديان .

 ليس الإسلام بكثرة المآذن ولا بنثر الزكاوات التي لانعرف مصدرها ولا لمن تذهب؟ وانما هو برفعة الخلق وحسن المعاملة، والتسامح والانفتاح والحوار .

 

و دمتم بحب

 

 

الكاتب

ريما الرويسان سفيرة التسامح والسلام

الكاتب:ريما الرويسان

  • للمشاركة