Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

2020. سنةٌ غريبةُ فعلاً!!

520
news room December 28,2020

أيمن المرابط

هاهي السنة الأولى من العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين تشرف على نهايتها بعد أيام قليلة، لم تكن سنة سهلة، لا شك أن لا أحد أحبّها، ولا أحد يود تكرارها مستقبلا، تشابهت فيها الأيام والشهور، طبعتها الكوارث والمصائب أكثر من الفرح، أما الموت فحدث ولا حرج، فيروس مجهري سُمي بالكورونا "كوفيد19" ظهر في الصين أوائل السنة، أعلن حربا على البشرية، عنوانها "القضاء عليكم"، انتقل بسرعة فاقت كل السرعات بين دول العالم، فتغيرت كل معالم العالم، انتفض الناس خوفا على حياتهم، حكومات دول هنا وهناك سنّت قوانين سريالية تفرض على المواطنين التباعد بينهم، وارتداء الكمامات وشراء المعقمات، ثم الإغلاق الشامل لكل شيء كان مفتوحا ومتاحا،  وحجر صحي طويل الأمد في البيوت، ربما جعل العديد من الأسر تتعرف على بعضها البعض مجددا، حيث حياة المدن جعلت كل الناس يدورون في دوامات العمل والمال والضوضاء، لكن تلك الحياة توقفت هي أيضا بكل تفاصيلها، وكل ما صنعه البشر توقف عن العمل، فلا طائرات تحلق في السماء، ولا بواخر تمخر عباب البحر، ولا سيارات في الشوارع غير سيارات الإسعاف، كل شيء صنعه البشر فقدَ جماله وأصبح مثار خوف لدى الناس، قد ينقل لهم العدوى ويتسبب بموتهم. بالمقابل ما صنعه الله في أرضه ازداد جمالا وبهاء، فالهواء عاد لنقاوته وجودته، والسماء عادت لزرقتها فتزينت بالطيور نهارا وبالنجوم ليلا، والبحار لفظت عنها كل نفايات البواخر، فعادت مياه الطبيعة لمجاريه، بل إن البوادي والقرى الصغيرة المنسية بين الجبال أصبحت هي الملاذ الآمن.

 كثر الحديث حول الكورونا من كل حدب وصوب، بين من اعتبره جند من جنود الله، ليعاقب به البشر غير المتقين وسيتجنبه المؤمنين، لكن الفيروس لم يفرق بين هذا وذاك، هو لا يعرف هذا مسلم وذاك مسيحي وآخر يهودي أو بوذي فاقتحم المساجد والكنائس والجوامع وكل المعابد وأغلقت كل أماكن العبادة والصلاة، آخرون رأوه ضربة قاصمة للنظام الرأسمالي العالمي نفذتها الصين "الشيوعية" وستنهي هيمنة الولايات المتحدة، ربما لم يسمعوا برأسمالية الكوراث التي تحدثت عنها الكاتبة الكندية نعومي كلاين والكاتب الأسترالي أنطوني لوينشتاين، وهي تعني الاستثمار والربح من كوارث الناس كيفما كانت، من الحروب المفتعلة إلى الكوارث الطبيعية والجائحات وكل المصائب، فالشركات العملاقة لصناعة الأدوية لاشك أنها ربحت أموالا ضخمة، ونفس الأمر للمصحات الكبرى والمختبرات، ومصانع الكمامات،والتي أصبح بعضها يباع ك"ماركات مسجلة" بمئات الدولارات في الأسواق. شاهدنا أيضا كيف أن واقع الحال في دول أنظتمها هشة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، قد تعرّى بالكامل ولم يعد لذلك النظام ما يخبئه لنفسه فسقطت تلك الهالة التي رسمها لنفسه لسنوات من أعين الناس، بينما دول قوية واعية لها نظام حقيقي استطاعت أن تُلحق الهزيمة بالكورونا ونيوزيلاندا خير مثال على ذلك.

2020، لم تكن بعلامتها الكاملة 20/20 أبدا، منهكة وقاسية، بين أيامها تسارع الموت ليخطف العديد من الأرواح من بيننا، إما بسبب الكورونا أو بسبب مصيبة كتلك التي حدثت في بيروت أو الجوع والعطش اللذان لا يتحدث عنهما أحد، اختلفت الأسباب والموت واحد، لا يخجل من أحد ولا يرحم أبدا، أما مواقع التواصل الاجتماعي فهي أضحت مثل صالونات كبيرة تُقدّم فيها التعازي، نتبادل فيها الأحزان ويتناقل رواد الصفحات الدموع والشهقات.  

لكن مساحة الفرح ظلت موجودة لم تنقرض أبدا، فأي خبر مفرح وسط هذه الكومة من الحزن لاشك أن تأثيره مضاعف اكثر من أي مرة سابقة، يكفي أن يتصل طالب جامعي بوالديه ليُخبرهم بنجاحه في دراسته ونيله لإحدى الشهادات الجامعية فينسيهما كل التعب الذي تعبوه لأجله، والناجحين في امتحانات البكالوريا لاشك أنهم رسموا أجمل لوحات الفرح في قلوب آبائهم، أو أن تضع امرأة حامل مولودها الأول لتصبح أُمّا، تلك سعادة لا تصفها حروف أي لغة، أو يتوظف شاب أو شابة في وظيفة ما ليبدأ مشوار حياته ومساره المهني وسط هذه الظروف القاتمة، والعديد من مظاهر الفرح والسعادة التي شكّلت كوة نور مشرق وسط نفق مظلم.

ألفان وعشرون  السنة الكبيسة التي تغيرت فيها أغلب عادات البشر، بعضها إلى الأفضل وأخرى إلى الأسوء، وندرت فيها اللقاءات العائلية الحميمية عند المناسبات، تقصلت فيها مظاهر الفرح الباذخ الذي عهدناه وتلك العادات والتقاليد الموروثة منذ عقود وقرون، تأجلت فيه أيضا المشاريع والأحلام الكبرى والصغرى. بعد أيام قليلة تكون قد انتهت بكل تفاصيلها، بأحزانها وأفراحها، بقساوتها وسخاوتها، وبأحداثها أيضا.

 قد يرى الكثير أن أيامها وشهورها عجاف، ولكن الأمل كبير في أن يأتي بعدها عام يغاث فيه الناس، ينزل فيه الغيث والرحمة من عند الخالق تنتهي فيه كل الكوابيس، وينبعث النور من بين شقوق الأنفاق ليكسر كل الظلام، وتعيش البشرية قادم الأيام، في أمان وسلام، ويكون عاما جميل المعالم.

الكاتب

أيمن المرابط اعلامي وباحث جامعي المملكة المغربية

الكاتب:ايمن المرابط

  • للمشاركة