Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

17 حقيقة خلف تدمير الوطن العربي

2570
news room April 19,2021

لعبة الأمم

سامي كليب 

السبب الأول في تدمير الوطن العربي، هو سوء الإدارة فيه. فجلُّ حكامه جاء بهم الإستعمار بأشكاله القديمة والجديدة، وهم أفادوا من علاقاتهم الدولية ليبطشوا بشعوبهم ويفسدوا ويوظفوا خيرات بلادهم لمصالحهم الشخصية أو لمصالح من جاء بهم الى السلطة من دول خارجية ، أو للتآمر على بعضهم البعض، بدل توجيه الجهد لنهضة مجتمعاتهم وتعليمها وتوجيه البندقية صوب عدوهم الحقيقي. كلهم هذا الا ما ندر. 

السبب الثاني  لتفكيك وتدمير الوطن العربي، كان في  سوء التعامل مع الخارج، فتحول معظم الأنظمة العربية الى بيادق ومطايا للخارج، وتصارعت في ما بينها، فاحتاج كل فريق منها دولة أو محورا من الخارج لحمايته. كلهم هكذا الا ما ندر. 

أما الأسباب الأخرى فهي في الحقائق ال 17 التالية:

1-        اتفاقيات كامب دافيد بين مصر واسرائيل عام 1977 ، كانت أول اختراق في الجسد العربي حتى ولو انها اعادت سيناء . لكن يبدو وفق وثائق كثيرة انها حصلت على دعم عدد لا بأس به من الدول العربية القريبة من واشنطن وباريس  رغم مجاهرة هذه الدول بعكس ذلك. فعدد لافت من القادة العرب كان يُحيّي  سراً السادات على ذهابه الى قلب الكنيست الاسرائيلي، بينما في العلن كانوا يتحدثون عن القتال والكرامة والشهامة وعن خيانة السادات.

قبل كامب دافيد، جرى اتفاق ضمني بين سوريا وأميركا لدخول الجيش السوري الى لبنان عام 1975.  كان هدفُ كيسنجر التلاعب على خطي مصر وسوريا لحماية اسرائيل، والعملُ على تهميش او انهاء منظمة التحرير، والدفعُ باتجاه مفاوضات عربية اسرائيلية بناء على سياسة خطوة خطوة. فساهم في توسيع شرخ العلاقة المصرية السورية.

نقرأ في أرشيف الخارجية الاميركية الممتد من عامي 69 الى 76 في الجزء السادس والعشرين : كلاما قاله هنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركي آنذاك لعدد من القادة اليهود الاميركيين قبل توجهه الى دمشق : " اذا وافقت أكثر دولة عربية تطرفا ومجاورة لاسرائيل ( أي سورية) على عقد اتفاق، مهما كان نوع هذا الاتفاق، فان ذلك سيحدث تغييرا في السلوك الأخلاقي، ويفصل سورية عن العراق، ويسمح للسادات بالعبور صوب الخطوة التالية" . وبالفعل تقارب كيسنجر جدا مع سوريا وكان الرئيس حافظ الأسد يعتقد أنه بدخوله الى لبنان يحمي خاصرته الرخوة ويمنع منظمة التحرير واليسار اللبناني من السيطرة على المجال الحيوي لأمن بلاده، وكان يقول وهو ما ذكرته د. بثينة شعبان في كتابها " حافة الهاوية" أنه دخل لمنع ارتماء قادة المسيحيين الموارنة في أحضان إسرائيل ، ولذلك اختلف مع كمال جنبلاط قائد الحركة الوطنية الذي اغتيل في العام 1977.

2-        بعد دخول سوريا الى لبنان بسبع سنوات، غزته اسرائيل عام 1982، وهي كانت تعتدي عليه دائما حتى قبل تشريع العمل الفدائي الفلسطيني، رغم ان لبنان لم يشارك في حرب 67 ...وهنا لا بد من الاشارة الى الكذبة الكبيرة التي يتشدّق بها البعض حاليا، من أنه لولا قيام مقاومة  وطنية وفلسطينية منذ سبعينيات القرن الماضي ضد اسرائيل لما اعتدت على لبنان. بينما نقرأ في الأرشيف أن الاعتداءات بدأت منذ العام 1948 وارتكبت اسرائيل مجازر على الأراضي اللبنانية قبل وجود أي بندقية مقاومة.

يُمكن في هذا المجال أن نقرأ في  كتاب توثيقي مهم لكيرستن شولتز بعنوان   "  israel's covert diplomacy in Lebanon  " كيف ان اسرائيل كانت تتغلل في الجسد اللبناني لتدعم طرفا ضد طرف وتُرسل مساعدات مالية لتوسيع شقة الخلافات والصراعات. وهي منذ خمسينيات العام الماضي أرسلت مساعادات لأحزاب لبنانية بغية النجاح في الانتخابات، وتذكر شولتز خصوصا حزب الكتائب ، وهو ما ينفيه الحزب ويقول انه لم يتواصل مع اسرائيل الا بعدما سُدت الأبواب في وجهه ضد الفلسطينيين والحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط. كما يؤكد الرئيس السابق أمين الجميل في كتاب مذكراته الأخير " الرئاسة المقاومة"  أن والده الشيخ بيار الجميل كان على علاقة وطيدة بالزعيم العربي جمال عبد الناصر.

3- سعت اسرائيل لفصل لبنان عن سوريا، وفرض اتفاق سلام معه عُرف باسم اتفاق 17 أيار. لكن سورية وحلفاءها في لبنان أسقطوه بالقوة . ونقرأ في كتاب الجميّل الآنف الذكر:

"ان الوفد اللبناني الذي اوفده الرئيس أمين الجميل الى سورية في 12 أيار/ مايو أي قبل 5 أيام على توقيع الاتفاق عام 83 سمع من نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام التالي : "  ان الاتفاق أنهى حال الحرب مع إسرائيل، وبذلك يكون لبنان قد خرج عن الموقف العربي العام. ألغى كل التزامات لبنان حيال الدول العربية، يطبّع العلاقات بين لبنان وإسرائيل، يعطي إسرائيل وجودا أمنيا في لبنان، يحد من استقلال لبنان وسيادته، ويلحق ضررا كبيرا بأمن سوريا، والاتفاق بالتالي غيرُ مقبول شكلا ومضمونا، ولا يمكن تحمُله ولا تحمُل نتائِجه"

ثم أكمل حافظ الأسد ما حذّر منه  خدام ، فقال :" ان الأميركيين قالوا لنا ان ثمة مسائل سرّية غير الاتفاق، وانا أميل الى تصديقهم. أرى هذا الاتفاق ينسف كل معاني استقلال دولة لبنان، ويجعل منه محمية إسرائيلية، ويؤدي الى انعكاسات على أمن سوريا. اللبنانيون سيرفضون الاتفاق، وسوريا ستكون معهم من دون تردد"

 

انتهى عهد أمين الجميل عام 88 وسط فراغ رئاسي وتم تسليم السلطة الى العماد ميشال عون. في ذاك العام انتهت الحرب العراقية الايرانية، فاختار بعض اللبنانيين الاعتماد على العراق بدلا من سوريا وبينهم عون نفسه والقوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع، لكن دمشق عززت سلطتها وقضت بالتعاون مع الجيش اللبناني بقيادة الجنرال اميل لحود على تمرّد الجنرال ميشال عون ضدها، ثم شجّعت القضاء اللبناني على إدخال جعجع الى السجن بتهمة تفجير كنيسة.

4-  تلك الاعوام الثمانينية  التي شهدت كارثة الحرب العراقية الإيرانية التي أنهكت العراق وضيّعت جزءا كبيرا من أسلحته وثرواته دون أي تغيير يذكر في المشهد ودون صد إيران التي عادت أكثر قوة  وتغلغلا الى العراق نفسه ثم الى دول عربية عديدة،  تلك الأعوام شهدت الكثير من التطورات في دول عربية خصوصا انتفاضات الخبز:  

·     انتفاضة الخبز في تونس عام 1984.

·     انتفاضة الخبز في المغرب عام 1984.

·     انتفاضتان للخبز في الجزائر عامي 86 و88

·     انتفاضة الخبز في مدينة معان الأردنية عام  89.

لكن في تلك الفترة ايضا، اي في العام 88، فتحت الجزائر أبوابها وقلبها لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة غير العادية تمهيدا لاعلان قيام دولة فلسطين.

5- لم يتأخر الأمر حتى غرقت الجزائر بحربٍ امتدت لعشر سنوات، بين الجيش والاسلاميين في أعقاب الغاء الدورة الثانية من انتخابات مطلع التسعينيات. ظهرت هناك اولى بوادر التطرف الاسلامي فقُطعت الرؤوس وبُقرت البُطون وغرقت الجزائر الداعمة لفلسطين  بأسوا كارثة أهلية وارهابية.

6- في العام 88 أيضا، وقعت عملية تفجير طائرة بانام الأميركية فوق لوكربي، ووضعت ليبيا تحت المجهر، فحوصرت وطوقت وقُصفت.....  كانت ليبيا من أكثر الدول العربية دعما ماليا للفلسطينين والحركة الوطنية اللبنانية قبل ان يختفي فيها رجلُ الدين اللبناني قائد حركة المحرومين الامام موسى الصدر. واتُّهم القذافي باخفائه. هل أخفاه لوحده، أم بالتعاون مع أنظمة وتنظيمات عربية ؟ هذا السؤال بقي غامضا وتم تقديم الكثير من الروايات حوله، لكن النتيجة كانت أن ليبيا ابتعدت وأبعدت عن لبنان.

7- مع اندلاع ما عرفت بـ"الثورات المخملية" عام 1989 في اوروبا الشرقية انطلاقا من تشيكوسلوفاكيا منذرة بقرب تفكك الاتحاد السوفياتي، بدأت التحولات الكبرى في العالم، واتُخذ قرار انهاء الحرب اللبنانية، فكان اتفاق الطائف الذي أسس لوثيقة وطنية ودستور جديدين. لم يكن ذلك ليحصل لولا قبول سوريا وتفاهمها مع السعودية بغطاء دولي. إتفاق الطائف أنهى صوريا الحرب، بحيث أوقف المدافع، لكنه ورغم كل الكلام المعسول فيه حول الغاء الطائفية وشرعية الدولة وانسحاب الجيش السوري وما الى ذلك، لم يُنفذ شيء، لا بل بالعكس تماما ازداد شرخ الطائفية الذي صار الشغل الشاغل للبنانيين بدلا من دعم القضية الفلسطينية والتوحد في الدفاع عن الوطن.

8-      1990 ألمانيا تتوحد ويتمدد مشروع آخر الرؤساء السوفيات ميخائيل غورباتشوف المعروف بالبيريسترويكا صوب دول البلطيق فتستقل. صار العالم محكوما بالأحادية القطبية بزعامة أميركا. لم تمض اشهر قليلة حتى انعقد مؤتمر مدريد للسلام العربي الاسرائيلي في العام 1991. سيق كل العرب اليه وتم تهميش منظمة التحرير فيه حيث دُمج الوفد الذي يمثل الفلسطينيين في الأرض المحتلة مع الوفد الاردني. سيق العرب سوقا الى ذاك المؤتمر ليبدأ مسلسل التنازلات من شعار " الأرض مقابل السلام" الى شعار " السلام مقابل السلام" بلا أي تنازل اسرائيل عن الأرض وهو ما يعيشه العرب حاليا.  

9- ·     1993 اتفاق اوسلو الفلسطيني الاسرائيلي بعد سنوات من الانتفاضة الفلسطينية الاولى. في السنة نفسها، تستفرد اسرائيل بلبنان في عدوان "تصفية الحساب". ثم تكمل جرائمها بمجازر اخرى في العام 1996 (عدوان عناقيد الغضب)، وهي المحطة التي توجت بـ"تفاهم نيسان. لا شك أن إتفاق أوسلو كان كارثة على الفلسطينيين وداعميهم، وجعل العالم الذي كان يرفض إقامة أي علاقة مع اسرائيل، ينتقل الى مرحلة التطبيع الكامل معها ، انطلاقا من شعار أننا لا نستطيع أن نكون ملكيين أكثر من الملك.  أي انه اذا كان الفلسطينيون طبّعوا، فلماذا لا يُطبّع الجميل.  

عرفت تلك السنوات أيضا أول محاولة لقيام وحدة عربية أولا بالتفاوض ثم بالقوة بين شمال وجنوب اليمن، لكن القوة انتصرت وتوحّد اليمن كالجمر تحت الرماد، سُرعان مع إنهارت الأحلام فوق ركام الخصام. واستمرت دعوات استقلال او انفصال الجنوب حتى وصلت الى ذروتها في السنوات القليلة الماضية.

في تلك المرحلة بالضبط ، استضافت  ولاية مريلاند الأميركية  4 جولات من المفاوضات في واي بلانتايشن بين اسرائيل وسوريا، من 27 كانون الأول 1995 حتى 19 شباط    1996         أدرك الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أن أحادية القطب العالمي تحت اللواء الأميركي تضيّق هامش المناورة أمامه، وأنه لا بد من الاتفاق مع " الأصيل" أي الولايات المتحدة الأميركية بدل التفاوض المباشر مع " البديل" أي اسرائيل، وفق ما كان يقول وزير الخارجية السابق والنائب السابق لرئيس الجمهورية فاروق الشرع.

10- ·     عام 2001 ضربت الاعتداءات الارهابية  الولايات المتحدة الاميركية.  شعرت سوريا بأن ردة الفعل ستطالها رغم عدم تورطها في تلك الاعتداءات. راحت تتشدد أكثر في لبنان منعا لتحويله الى خاصرتها الرخوة. قال عبد الحليم خدام في أول مؤتمر صحافي عقده بعد تلك الاعتداءات إن الرياح ستضرب المنطقة وستسعى واشنطن لتحميل الدول الداعمة لفلسطين ثمن فعل لم ترتكبه.  الغريب أن كثيرا من كتّاب العالم الغربي والشرقي وضعوا تحقيقات دقيقة حول تلك الاعتداءات الأ العرب والمسلمين، فقد خافوا وانكفأوا وكأنهم جميعا ارتكبوا ذاك العمل الإجرامي.

11-لم يكن العراق مشاركا في الهجمات الارهابية على أميركا لكنه دُمّر. كان الهدفُ السيطرة على ثرواته ومنعُ الصين من الوصول اليها كما قال  في وقته أحد أهم خبراء النفط في فرنسا وهو من أصل لبناني  بيار تيريزيان، وكان الهدف كذلك تدمير ما كان يوصف بأنه "رابع جيش في العالم" وهو في الواقع لم يكن كذلك وانما الدعاية الغربية والاسرائيل ارادته هكذا ، بعد اكتسابه خبرة كبيرة من الحرب العراقية-الإيرانية، كي يكون في تدميره نصرٌ كبير لمن يدمره. واللافت أن  أميركا وبريطانيا  إعترفتا لاحقا بأن غزوهما للعراق جاء بناء على كذبتي أسلحة الدمار الشامل وتعامل الرئيس صدام حسين مع القاعدة. أما العرب والمسلمون فكمّموا أفواهمم ولم يجروء أي طرف منهم على فتح تحقيق عالمي بتدمير إحدى أعرق الحضارات الانسانية في العالم. جرى إخراج العراق تماما من الصراع العربي -الاسرائيلي وأدخل في المحور الأميركي .

 في كتاب) Erasing Iraq .The human cost of Carnage   محو العراق ، الثمن الانساني للمذبحة). يقول المؤلفون الثلاثة للكتاب وهم مايكل اوترمان، وريتشارد هيل وبول ويلسون:

·      لن يُعاد بناء العراق كما كان قبل الحرب. بل سيُمّحى ويختفي، وستظهر مكانه صالةُ عرض للاقتصاد القائم على عدم التدخل، وستُعتمد كل سياسة من شأنها ان تطلق يد الشركات المتعددة الجنسية لتتابع سعيها من أجل الربح  

·     بدأ استيلاء الولايات المتحدة على الاقتصاد العراقي قبل وقت طويل على اجتياح العراق في العام 2003. تعود جذوره الى واقع ان انتاج النفط الاميركي بلغ ذروته في سبعينيات القرن الماضي ، الأمر الذي دفع الى الاعتماد المتزايد على الامدادات من دول الشرق الأوسط.

·     جيمي كارتر الرئيس الاميركي السابق حصل على قواعد جديدة في المنطقة وشن حرب الاشباح الاميركي على السوفيات في افغانستان.    رونالد ريغان وجورج بوش وضعا سياسات تجارية وغيرَها من الاجراءات لضمان استمرار الولايات المتحدة في الوصول الى امدادات الشرق الاوسط من النفط.

·     قبل اشهر على حرب الخليج الأولى، اصدر كبار مسؤولي ادارة بوش توجيه ارشاد التخطيط الدفاعي كي تبقى الولايات المتحدة المسيطرة الوحيدة على المنطقة. ذلك أن     الشرق الأوسط بالنسبة لبول وولفوفيتز وديك تشيني ودونالد رامسفلد وسواهم هو مكمن التهديد البارز للولايات المتحدة ومصدر المصالح والثروات الكبرى التي ينبغي عدم التضحية بها أو التنازل عنها لأي طرف آخر مهما كلف الأمر.

وقد شرح الكاتب الأميركي الشهير بتحقيقاته بوب وودورد خلفيات التآمر العربي على العراق قبيل اجتياحه وحجم التنسيق مع جورج بوش الأبن.  

 حين نرى كل هذه الويلات قد حلت بالعراق، باقدم الحضارات الانسانية بناء على كذبتي اسلحة الدمار الشامل وتعامل الرئيس العراقي الراحل صدام حسين مع القاعدة، يسأل المرء كيف سنصدق أي تُهمة تساق ضد أي دولة عربية او غير عربية لاحتلالها او اجتياحها، والى متى سيبقى العرب بيادق على لعبة شطرنج، وما هي درجةُ الذل التي يُمكن ان يصلوا اليها بعد ودولُهم تُحتل وتُغزى وتُقسم وتُنهب، ومعظمُ نظامِهم الرسمي العربي، الا ما ندر، يستمر في الموافقة على معظم شروط الدول الكبرى ومطالبِها وفي مقدمها الولايات المتحدة.... والسؤال الأهم من كل ذلك.... كيف تمر كل هذه الجرائم الكبرى ولا يتحرك ساكنٌ قضائي في هذا الوطن العربي الكبير للقول يجب ان نُحاسب من قتل الشعب واعترف بجريمته....

12-جاء كولن باول وزير الخارجية الاميركية في صيف 2003 الى دمشق عارضا على الرئيس بشار الأسد صفقةً لتجنيب سوريا مصيرَ العراق. بنودُها التخلي عن ايران وحزب الله وطرد المنظمات الفلسطينية من سوريا ومنع العلماء العراقيين من دخول سوريا، والانفتاح على اسرائيل. لم يوافق الأسد وقال لأ استطيع أن اعيد أي فلسطيني الا الى بلاده. لم يكن أحد آنذاك يعتقد أن غزو العراق سيفتح جُرحا كبيرا في الفتنة السنية الشيعية، وأن المنطقة ستدخل في تحولات كبرى بعد تدمير بلاد الرافدين، وأن العرب سيزدادون خوفا والقواعد الأميركية ستزداد حضورا وفلسطين ستزداد ضمورا.  ولم يظن الرئيس الأسد أنه حين تغزو موجات ما سُمي بالربيع العربي المنطقة ، ستدخل الى بلاده من أبواب كثيرة. ولم ينتظر أحد أن يتحول الشرق الأوسط الى ساحة كبرى للتنافس الأميركي الروسي الصيني. وللصراع الإيراني الإسرائيلي والتركي العربي.

13-دقّ اغتيالُ الرئيس رفيق الحريري في بيروت عام 2005، الأسفينَ الثاني بعد احتلال العراق في الفتنة السُنية الشيعية، ومهّد لخروج القوات السورية من لبنان وفصل البلدين . راحت الفرقة تتوسع وصار  كل من يقاوم اسرائيل يُتهم بانه تابع لمحور ايراني، بينما ايران تتهم دولا عربية مجاورة بتشريع القواعد الاميركية وتشجيع الاحتلال. تضاعفت الفتنة السنية الشيعية وضاق أفق دعم فلسطين.

14-مع اغتيال الرئيس الحريري، كان لبنان محط اهتمام أميركا وفرنسا. ذلك ان الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي ناهض الغزو الأميركي للعراق، أراد ان يصحح علاقته بجورج بوش من جهة، وأصيب بصدمة شخصية وسياسية باغتيال صديقه الكبير رفيق الحريري من جهة ثانية. وقتذاك، قال شيراك إن الرئيس بشار الأسد خذله، بعد ان حاول رئيس فرنسا احتضانه وتدريب ادارات الدولة بتوصية من حافظ الاسد (راجع كتاب مذكرات شيراك).  بدأت حينها الخطة الاميركية الفرنسية الاسرائيلية العربية لتطويق ما اسماه الرئيس المصري حسني مبارك وكذلك الملك الاردني عبدالله الثاني بـ"الهلال الشيعي". ( وقد شرحها بالتفصيل الكاتب الفرنسي فنسان نوزي في كتابه، أسرار الرؤوساء)

             بعد الجزائر وليبيا والعراق، صارت سوريا في المجهر الدولي....

15-جاءت ما وصفت ب " ثورات أو انتفاضات الربيع العربي"، لتُسقط في البداية انظمة مؤيدة للغرب في تونس ومصر، ثم تقدمت صوب سوريا التي سرعان ما غرقت بحرب ضروس ما زالت مستمرة حتى اليوم. برز في مستهل الربيع تقدم التيارات الاسلامية صوب السلطات بدعم غربي واضح ، لكنها سرعان ما أٌسقطت في مصر، ونجحت في تونس ودخلت الى الحكومة في المغرب، وصارت طرفا في حرب ضروس في ليبيا، وتصدّرت المعارضة السورية والليبية.

16-انقسم الوطن العربي بين محاور عديدة، فسهُل اختراقه من كل الجهات، وحين اخترق ضعُف حتى الوهن بعد ان دمر قسم منه، حيث فاقت تكاليف وخسائر  الربيع العربي أكثر من الفي مليار دولار، والضحايا نحو مليون ونصف مليون قتيل، وصار المشردون بالملايين، ليضافوا الى أكثر من 100 مليون أمي، وأكثر منهم في أتون البطالة ، وبات أكثر من نصف العرب في مراتب الفقر أو الفقر المدقع.

17-كانت صفقة العصر جاهزة لاختراق الوطن العربي طولا وعرضا  من على الحروب والفتن المذهبية والطائفية... فست دول على الاقل من التي كانت تجاهر بمناهضة اسرائيل ( العراق، ليبيا، الجزائر، سوريا، السودان و اليمن شُغلت بأوضاعها الداخلية) ، بينما الدول الأخرى خافت أو اختارت الانتظار أو انكفأت. إنفصل جنوب السودان قبل الصفقة بسنوات ولكن بدعم اسرائيلي- أميركي واضح. سُلّمت القدس الى اسرائيل بقرار أميركي ، شرعت ادارة ترامب ايضا سيادة  اسرائيل على الجولان السوري المحتل، تم تطويق لبنان وسوريا بالعقوبات، استمر نزيف العراق واليمن وليبيا، دُق اسفين جديد بين الجزائر والمغرب، تباعدت قطر عن دول الخليج ومصر ، اختصم العرب ُ بين بعضهم واخترع كل منهم محورا يحتمي خلفه. سهُل اقناع أنظمتهم بالذهاب صوب التطبيع كمشروع وحيد للمستقبل.      

لم يكن العرب ليصلوا الى ما وصلوا اليه، لو أنهم تعاضدوا في الشدائد وآمنوا فعليا بان وحدتهم فقط تحمي فلسطين وتنقذ الشرق الاوسط والمغرب العربي من ويلاتهما.....ولم تكن مجتمعاتهم انهارت بهذه السرعة لو أن حكّامهم اهتموا بالتنمية والعلوم الحديثة والتكنولوجيا ونهضة المجتمعات، ولم  تكن المنطقة لتصل الى ما وصلت اليه لو ان العرب وتركيا وايران تفاهموا وتعاونوا، بدلا من أن يتفرقوا ويتباغضوا.   

تشظى الوطن العربي والمنطقة ، لا احد اليوم غير الله يعرف كيف يُمكن ان تتقاربّ دولُه مجددا. ربحت اسرائيل جزءا كبيرا من المعركة السياسية والجغرافية  ، وستربح كلُ الأمم والدول الأخرى الا العرب ان بقي التشرذم على حاله، فما اصاب الجزائر وسوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا والصومال والسودان وغيرها، مرشّحٌ لان يصيب كل دولة عربية تتوهم بأن خلاصها هو في مكان آخر غير عند اشقائها.

لا بُد من التكامل العربي وعودة العرب الى العرب والتفكير بنهضة مجتمعاتهم، فحروب المستقبل هي على المياه والثروات والتكنولوجيا والعلم. وفي الوطن العربي خيرات طبيعية وثروات بشرية وعلمية هائلة. وعلى العرب أن يوازنوا علاقاتهم الخارجية بين الغرب والشرق ويقيموا علاقات ممتازة مع أميركا وأوروبا والصين وروسيا والهند والبرازيل واستراليا وغيرها، وعليهم خصوصا أن  يختاروا، هل يرفعون من شأن وطنهم العربي الكبير بتكاملهم العلمي والتنموي والزراعي والصناعي والتكنولوجي والأقتصادي، أم يصبحون أمة في طور الإنقراض مهددة من كل جوارها القريب والبعيد.

الكاتب

سامي كليب مؤسس ورئيس تحرير موقع خمس نجوم السياسي الفكري الثقافي

الكاتب:سامي كليب

  • للمشاركة