Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

12 ألف قتيل في أميركا منذ بداية العام. من يوقف آفة السلاح؟

399
news room April 18,2021

هادي جان بوشعيا

تعود فوضى السلاح في الولايات المتحدة الأميركية إلى الواجهة، في ظل تكرار الحوادث الدموية وكان آخر فصولها ما  شهدته مدينة إنديانابوليس، حيث قُتل 8 أشخاص على الأقل وأصيب آخرون بجروح في إطلاق نار نفّذه مسلّح يُعتقد أنه انتحر لاحقًا.

إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن  شرعت مؤخرا في حملة تستهدف مواجهة العنف المسلّح وتسعى عبر إجراءات جديدة إلى وضع قواعد لحيازة أسلحة معيّنة.إجراءٌ دفع الرابطة الأميركية للأسلحة، وهي أكبر جماعة ضغط معنية بالحقّ بحمل السلاح في الولايات المتحدة، إلى وصف حملة بايدن بالمتطرّفة وتتعارض مع الدستور الأميركي.

الواقع أنه بين الفينة والأخرى، تتصدّر جرائم القتل في أميركا عناوين الصحف العالمية.ينفّذها مسلّحون مدنيّون ويذهب ضحيتها الآلاف. فمنذ بداية العام 2021 حتى الآن تجاوز عدد قتلى العنف المسلّح 12 ألفًا. و سبب انتشار هذه الجرائم يعود إلى قانون مثير للجدل خاص بحيازة السلاح، ويندرج تحت إطار ما يسمّى احترام الحريات الفردية.

 يتفاوت تنفيذ هذا القانون بين ولاية وأخرى، ويصل في بعضها إلى السماح ببيع السلاح لجميع العاقلين الذين تخطَّوا سن الـ 18عامًا.

تعتبر ثقافة حمل السلاح في الولايات المتحدة جزءًا أصيلاً من الثقافة الأميركية عمومًا، وتعود أصولها إلى عصور رعاة البقر أو ما يعرف بالـ "Cowboy" في القرن الثامن عشر. ورغم تغيّر الزمان وتطوّر قدرات الأجهزة الأمنية العصرية على ضمان الأمن في أرجاء البلاد كافّة؛ إلا أن الولايات المتحدة تبقى الدولة الصناعية الوحيدة في العالم التي يتيح فيها الدستور بحمل السلاح للمدنيين

وصلت نسبة السلاح  إلى أكثر من 121 قطعة  لكل 100 مدنيٍّ، بما في ذلك القاصرون، بل وإن المدنيين باتوا يمتلكون اسلحة فردية تفوق الأسلحة التي يمتلكها الجيش الأميركي بمئة مرة وأكثر بـ 400 مرة من الأسلحة التي تمتلكها الشرطة (المسدسات والبنادق والأسلحة الرشاشة).

فكيف سينجح بايدن حيث عجز غيره؟

لم تذهب خطوات الرئيس الأميركي بعيدا وانما تقتصر على تنكيس الأعلام فوق المباني الحكومية الفدرالية كالعادة. إذ يُعدّ حادث إنديانابوليس هو السادس من نوعه، على التوالي، في القتل الجماعي، في غضون خمسة أسابيع فقط في ظل حكم بايدن.

لم يكتف الرئيس الأميركي يكتفِ بإعلان أسفه تجاه ما حصل ونعيه للضحايا، بل أعلن أن حال القتل الجماعي باتت تشكل وباءً على الصحة العامة، محاولاً الدفع باتجاه تحويل المسألة إلى قضية رأي عام لا تقلّ خطورة عن مكافحة وباء كورونا.

وما زال بايدن ينتظر موافقة مجلس الشيوخ بعدما حظي بموافقة مجلس النواب على قرارات ومشاريع قُدّمت وأحدها يختصّ بحظر الأسلحة الهجومية وعدم السماح بشراء السلاح لأي كان بالسهولة التي تشهدها بلاده اليوم والتي تقتصر على تقديم بطاقة الهوية وتسجيل الإسم.بل يسعى لكشف السجل الجنائي للشخص، خصوصًا في حالتين إثنين: الأولى، حالة جنايات أو جنح خاصة بالشخص قد تدلّ على احتمال أن يقوم بأعمال عنف. والثانية، تطال ذوي الأمراض النفسية التي قد تدفع إلى الموت سواء عبر الانتحار أو قتل الآخرين.

 لكن مساعي بايدن ليست بالسهولة التي يتصورها البعض خصوصا ان لوبيات السلاح في اميركا لها تأثير ملحوظ على الانتخابات.  ولعل أحد الأسباب الأساسية بالنسبة للجمهوريين، وتحديدًا اليمين المعارض لبايدن، تستند إلى أن حيازة السلاح ضمنها الدستور الأميركي، بما في ذلك في التعديل الثاني لهذا الدستور والذي يؤكد على ضرورة  عدم تحويل الدولة إلى نظام فاشي يستأسد بمواطنيه، بالرغم من أن ذلك كان يتم إبّان نشأة الدولة الأميركية في محاولة لتحقيق التوازن بين حقوق المواطن وحقوق الدولة، تلافيًا لتكرار نماذج الإمبراطورية الفرنسية وغيرها...

وتبيّن الاحصاءات  أن الشباب الأميركي، ذوي البشرة السوداء، يمثلون 2% من نسبة الأميركيين، وخصوصًا الذين تتراوح أعمارهم بين 18 إلى 34 عامًا كانوا ضحايا عمليات القتل أو الاشتراك بعمليات القتل بالنار بنسبة تزيد على 32% بينما بالنسبة لذوي البشرة البيضاء فالرقم هو أقل بعشرين مرة.

اللوبي أو جماعة الضغط لبيع السلاح يلعب دورًا محوريًّا في منع أية قوانين تعيق ذلك، فيغدق مسؤولو هذه اللوبيات بالأموال بغية التبرع لحملات المرشحين في معظم الانتخابات، ما يصعّب مأمورية التغلّب على قراراتهم، باستثناء بعض القرارات الرئاسية التنفيذية والمؤقتة. ولو حصل خلاف بين الرئيس والمشرّعين، تحال القضية على المحكمة الدستورية العليا وفيها ستة أعضاء جمهوريين مقابل ستة أعضاء ليبيراليين،  وهو ما يدفعها عادة لرفض قرار فرض أي قيود على حيازة السلاح باعتباره غير دستوري.

وقد شهد العام 2020 ارتفاعًا مضطردًا لجرائم القتل باستخدام الأسلحة النارية. بواقع 20 ألف قتيل، بالإضافة إلى انتحار 24 ألفًا .ولعلّ الأسباب الكامنة خلف الارتفاع المرعب في عدد القتلى، تعود إلى وباء كورونا نفسه وما نتج عنه من إقفال وتعطيل واكتئاب وخسارة أعمال وارتفاع معدلات البطالة، ناهيك عن إضعاف الشرطة وترددها باستخدام السلاح، على إثر حادثة مقتل جورج فلويد الشهيرة، يضاف إلى كل ذلك مسألة الوهن والضعف التي أصابت المنظومة المعنية بتنفيذ القانون.

ما بات مؤكدًا  هو أن تعطيل التدابير والمشاريع الرامية لمكافحة هذه الآفة سيزيد التعقيدات التي تكتنف هذا الملف ما يحدث ثقبًا في الروح الأميركية ووصمة عار سترافق شخصية الدولة وهيبتها أمام العالم!

 

الكاتب

هادي جان بوشعيا إعلامي-لبنان

الكاتب:هادي جان بوشعيا

  • للمشاركة