Dr. Sami Kleib / مؤسس ورئيس تحرير: د.سامي كليب

10 دقائق و38 ثانية، قد لا تكفي ولكن.

888
news room May 4,2021

ديانا غرز الدين 

إغتيلت ليلى تيكيلا بصورة بشعة ، ووُجدت في مكبّ النفايات. ماذا فعلت حتى تستحق هذا المصير القاتم؟  يتطلب الأمر 10 دقائق و38 ثانية بالضبط، كي نعود وعلى نحو سريع الى تاريخ هذه الفتاة التي رمتها أقدارها الى مسرح بنات الهوى في اسطنبول. ففي هذه المدة الزمنية القصيرة نسبية، نستعيد حياة كاملة بعد توقف القلب عن الخفقان. يتوقف القلب لكن الدماع يستمر بالعمل، وتعود الحياة كشريط سينمائي سريع الوقع، حيث العقل يتحرك بوتيرة أسرع وأكثر دقة في لحظاته الأخيرة قبل الانطفاء.

 أرادت آليف شافاك في روايتها الجديدة الحاملة عنوان الزمن :" 10 دقائق و38 ثانية في هذا العالم الغريب" أن تتعاطف مع أولئك النساء اللواتي تنتهي حياتُهن على هامش المجتمع بسبب صدف ولقاءات سيئة. إنها حياة " بنات الهوى" بكل ما فيها من  قسوة وحزن وصدف وسوء طالع ولقاءات مهمة وتباعد مأساوي وأشياء قليلة جميلة وعميقة.

هي رواية عن قهر أناس مهمّشين نبذهم المجتمع لأن الحياة رمتهم في ظروف ما سعوا اليها، فصاروا في شوارع اسطنبول، أو في أي شارع آخر من مدن العالم، التي سُرعان ما تتحول الى كتلة من قسوة واحتقار وعنصرية، بلا شفقة أو رحمة .   

من خلال قصة ليلى، ندخل الى توثيق للماضي بكل صوره واماكنه و احداثه السياسية و التاريخية المؤثرة ، بدءاً بمذبحة اسطنبول في عيد العمال عام ١٩٧٧، حتى الاحتجاجات الشعبية في مواجهة الاعتداء على المومسات و العاملات في المواخير عام ١٩٩٠ .لا تشذ آليف شافاك في هذه الرواية عن معهود غوصها في تفاصيل المدينة وتقلبات شخصياتها النفسية والإجتماعية والإنسانية وما يدور حولها.   

ثمة انتقال لافت عبر الزمان و المكان ، وثمة كسر متعمّد لمسار الزمن التقليدي في فن الرواية بحيث أن المؤلفة لم تتبع السياق التاريخي المعتاد في السرد دون تقديم او تأخير،  فافسحت في المجال أمام تداخل الازمنة دون توالي الاحداث بطريقة زمنية تصاعدية من بداية الرواية الى نهايتها. وهكذا تبدأ الرواية في   بمقتل البطلة ليلى بطريقة وحشية ثم تعود بالذاكرة الى مختلف مراحل حياتها من خلال الروائح و الاطعمة التي تتذكرها بآخر لحظات وعيها. ومع كل رائحة و طعم تخبرنا الكثير عن حياتها في مدينة فان التركية حيث كانت فتاة مسكينة عانت من التحرش في طفولتها داخل عائلتها قبل هروبها و وقوعها في براثن اسطنبول التي اعتقدت انها ستكون ملاذها الآمن ولكنها حولتها الى عاهرة تبيع جسدها لقاء لقمة العيش.

ننتقل الى الجزء الثاني من الرواية الذي يتمحور حول اصدقاء ليلى الخمسة و هم عينة مختلفة اجتماعيا اي من غير المرغوب فيهم. فمنهم المتحول جنسيا و منهم صديق الطفولة الغريب الاطوار أو الفتاة الصومالية الهاربة من بلادها و الاتية بحثا عن ظروف افضل و زينب اللبنانية الاتية من الشمال و حميراء التركية التي كانت تتمنى ان تصبح راهبة لكن والدها اجبرها على الزواج من رجل كان يعنفها و يضربها فهربت الى اسطنبول.

 خمسة اشخاص كل واحد منهم يحمل وصمة تجعله منبوذا،  جمعتهم اقدار غريبة و نسجت خيوط الصداقة بينهم ووحّدهم شعورهم بالوحدة و الغبن الاجتماعي في مدينة لا ترحم . يخوضون معركة كبرى كي لا تدفن جثة ليلى في مقابر الغرباء. و ينجحون في سرقة جثتها بعد جهد و يلقون بها من فوق جسر البوسفور الى المياه العميقة استجابة لرغبتها في التحول الى طعام للاسماك بدل ان يلتهمها دود التراب. هم المنبوذون الذين يتفقدون حبّا ويلفون جسدها الميت بكل الحنان الذي افتقدوه جميعا.  

في تصويرها لقيمة الصداقة و دورها في تحدي الصعاب والمشاق.  ورسمها لتفاصيل الحب و دوره في تنقية الروح وبلسمة الجراح، وشرحها لكيفية الانعتاق بافكارنا و سعينا الى حيث نجد الامان . برعت اليف شافاك في روايتها باخدنا معها الى ادق تفاصيل الحياة في مدينتها .

 شافاك هي روائية تركية  من مواليد شرق فرنسا تكتب باللغتين الانكليزية و التركية والدها فيلسوف ووالدتها دبلوماسية.  حصلت روايتها الاولى (الصوفي) على جائزة رومي لافضل عمل ادبي في تركيا عام ١٩٩٨ . من ابرز اعمالها رواية "قواعد العشق الاربعون"  التي ترجمت الى اكثر من ٢٥ لغة و حققت اعلى المبيعات في تركيا . و رواية "لقيطة اسطنبول" التي تعرضت بسببها الى الملاحقة القضائية و الحكم عليها بالسجن لاثارتها موضوع مذابح الارمن على يد الاتراك و لكن التهم اسقطت عنها لاحقا . وقد شغلت مناصب استاذة محاضرة في عدة جامعات في اريزونا و ميشيغان و اسطنبول.   

الكاتب

ديانا غرز الدين

الكاتب:ديانا غرز الدين

  • للمشاركة